المظلومة، بل ينظر إلى السلام نظرة شاملة تعطي للأفراد الذين لا يحاربونه وللجماعات التي لا تقف في طريق أدائه لرسالته حق حرية الاعتقاد وتكفل لهم مبدأ العدل في الحقوق والواجبات [1] .
ثم - وهذا هو الأهم - أن الإسلام وهو يدعو إلى السلام لا ينسى أن هناك أقواما سوف يرفضون هذا السلام، وسوف يقفون في وجهه، إذ من مسلمات الحياة أن الناس لا يزالون مختلفين، ولذلك يدعو إلى السلام ولكنه لا يدجن الناس، ولا يقلب في رؤوسهم الحقائق، ولا يصور لهم العدو وليا وصديقا حميما، إنه - باختصار - يدعو إلى السلام ولكنه لا يلغي خيار الحرب حين يكون للحرب ما يبررها من الوجهة الشرعية.
وغزوة نيويورك وواشنطن واحدة من هذه الحرب التي يقرها الإسلام، ويعتبرها شيئا طبيعيا لا يتعارض مع مبدأ دعوته إلى السلام العالمي، لأنها ليست حربا لذاتها لا هدف لها إلاّ ممارسة شهوة القتل، وليست حربا من أجل الأطماع الاقتصادية واستغلال خيرات الشعوب كما تفعل الصهيونية والصليبية العالمية، ولكنها عملية عسكرية تدخل في إطار حرب معلنة ومفتوحة الجبهات بين الحركة الجهادية العالمية (قاعدة الجهاد) وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت بمثابة الرد الطبيعي على الاعتداءات المتكررة التي تمارسها أمريكا على الأمة الإسلامية.
ثانيا: الغزوة والمبادئ الإسلامية للحرب
يحلو للبعض أن يثير مسألة المبادئ الإسلامية للحرب، ويدّعي في هذا الإطار أن الغزوة لم تلتزم بتلك المبادئ، وأن أخطاء شرعية قد وقعت جعلها بعض فقهاء"آخر الزمان"من المخالفات التي تنال من شرعية الغزوة، ومما ساعد على خلط الأوراق بالنسبة للمسلم"العادي"أن هؤلاء يرددون:"نحن لسنا ضد الجهاد ولكن للجهاد أحكاما"!!.
وبعيدا عن المناقشة الفقهية التي تقودنا إلى التفريق بين ما هو شرط صحة في هذه الأحكام، وما هو من الواجب الذي لا يدخل في شروط الصحة، وما هو من المستحبات التي لا ترقى أصلًا إلى درجة الوجوب الشرعي، بعيدا عن هذا حتى لا ندخل في مناقشة فقهية ليس هذا مجالها، فإن الجميع يعلم أن جماعات الحركة السنية المجاهدة هي أكثر الناس حرصا على التزام الشرعية في أعمالها، كيف لا وهي أعمال تكلفهم أعز ما يمكلون بعد الدين وهي أرواحهم.
ولعل أهم ما أثير حول الغزوة من اعتراضات أمران إثنان، أولهما: أن الغزوة تعد نوعا من الاعتداء على الآخرين، وثانيهما أن الغزوة قد أصابت الأبرياء. وكما لاحظ كل المهتمين بتداعيات الحدث فإن مواقف التعاطف
(1) - طبعا عند تنزيل هذه الكليات لابد من الارتباط بضوابط الفقه الإسلامي وأحكام الشريعة.