فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 121

2 -الغزوة ومفهوم السلام العالمي

بعدما ذاقت أروبا ويلات الحروب الطاحنة بين قومياتها الفسيفسائية ظهرت بين بعض المفكرين الغربيين فكرة السلام العالمي، مما يوحي بأنها فكرة غربية جاءت كنتاج طبيعي لتداعيات الحياة الأروبية، ولكن نظرا لأن بعض المفكرين العرب لا يعرفون إلاّ منهجية"النسخ"و"اللصق"فقد استوردوا هذه الفكرة وروجوا لها في الأوساط الفكرية العربية والإسلامية، حتى انتشرت وأصبحت مشهورة ومتداولة، إلاّ أنها لم تجد إلى الآن موطئ قدم في عالم الواقع، بل ظلت عبارة عن أفكار تتحرك في الدائرة النظرية لم تمنع حربا ولم تنشئ سلاما.

وكل المؤسسات التي تأسست لتحقيق هذا الغرض كانت مجرد أداة طيعة في يد الدول القوية، تفرض من خلالها"أجندتها"السياسية لكن بطريقة مغايرة، فـ"عصبة الأمم"لم تحقق شيئا مما تأسست من أجله، و"هيئة الأمم"ليست إلاّ أداة لتدجين المسلمين وترويضهم على الخضوع التدريجي لأهداف المشروع الصهيوني والصلي بي،"وهذا التاريخ المعاصر الذي نعيش في تياراته يشعرنا بهذه الحقيقة، ويكفي أن نشير إلى أن الاستعمار لم تتوطد أركانه فيما مضى إلاّ بسبب خيانة المؤسسات الدولية" [1] . وهذا ما يعني أن السلام العالمي بالنظرة الغربية عبارة عن فكرة"مثالية"يستغلها القادة السياسيون لتخذير الشعوب وترددها الدول القوية لتسلب الآخرين إرادة الجهاد.

وقد اشتركت في هذا التضليل أكثر الحكومات الجاثمة على صدر الأمة الإسلامية، فهي التي روجت لهذه الخرافة عبر وسائل الإعلام الرسمية، وعن طريق تشجيع الإنتاج الفكري المأجور، حتى أصبح"السلام"هو الخيار الاستراتيجي الوحيد، وألغيت كل البدائل الأخرى ولم تعد واردة في الحسبان، بل لقد صوروا للناس أن أي خيار غير السلام هو ضرب من المجازفة، ولون من ألوان التهور أو ربما الهمجية التي لا تليق بالإنسان المتحضر، في عملية غسيل للدماغ مبرمجة تهدف إلى إلغاء فكرة العدو أصلا، لا لشيء إلاّ لتصبح الأمة الإسلامية سهلة الابتلاع!!.

لكن الغزوة المباركة كانت بكل تداعياتها الحدث الذي كشف هذا المستور، وأظهر للجميع أن للغرب تصورا خاصا عن السلام، لا ينسجم إلاّ مع إديولوجيته هو، ولا يخدم إلاّ مصالحه هو، أو لنقل بعبارة أدق إن الدول الغربية تعني بالسلام الاستسلام للإرادة الصهيونية، والانبطاح أمام القوة الصليبية، لكي تبقى الدول المستضعفة سائرة - دائما - على منهجية التبعية الذليلة!!

طبعا الإسلام لا يرفض فكرة السلام العالمي، ولا يسير في اتجاهها المعاكس، فهو دين يريد نشر السلام وتوطيد الأمن للناس جميعا. ولكن الإسلام دين المضامين لا الشعارات الكاذبة، ودين الحقائق الواقعية لا الأماني الطائرة، ولذلك فهو يدعو إلى سلام حقيقي وواقعي، ولا يجعل من الحديث عن السلام مادة مخدرة تمتص غضب الشعوب

(1) - الإسلام وحاجة الإنسانية إليه [ص:271] ، للدكتور محمد يوسف موسى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت