فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 106

كَانَ التَّأْوِيلُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ بِأَنَّهُ مُرَادٌ وَتَكُونُ الْأُمَّةُ قَبْلَهُمْ كُلُّهَا كَانَتْ جَاهِلَةً بِمُرَادِ اللَّهِ ضَالَّةً عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَانْقَرَضَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا مَعْنَى الْآيَةِ ؛ وَلَكِنْ طَائِفَةٌ قَالَتْ: يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى وَطَائِفَةٌ قَالَتْ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ عَلِمَ الْمُرَادَ فَجَاءَ الثَّالِثُ وَقَالَ: هَاهُنَا مَعْنَى يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ فَإِذَا كَانَتْ الْأُمَّةُ مِنْ الْجَهْلِ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَالضَّلَالِ عَنْ مُرَادِ الرَّبِّ بِهَذِهِ الْحَالِ تَوَجَّهَ مَا قَالُوهُ . وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ . و"الْمَقْصُودُ"أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَصِيرُوا يَعْتَمِدُونَ فِي دِينِهِمْ لَا عَلَى الْقُرْآنِ وَلَا عَلَى الْإِيمَانِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ السَّلَفِ ؛ فَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ أَكْمَلَ عِلْمًا وَإِيمَانًا وَخَطَؤُهُمْ أَخَفَّ وَصَوَابُهُمْ أَكْثَرَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ . وَكَانَ الْأَصْلُ الَّذِي أَسَّسُوهُ هُوَ مَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَا وَصَفَ بِهِ الْمَلَائِكَةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ } { لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنِّي إلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } فَوَصَفَهُمْ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَأَنَّهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ فَلَا يُخْبِرُونَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ وَلَا غَيْرِ صِفَاتِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَ سُبْحَانَهُ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ ؛ فَيَكُونُ خَبَرُهُمْ وَقَوْلُهُمْ تَبَعًا لِخَبَرِهِ وَقَوْلِهِ كَمَا قَالَ: { لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ } وَأَعْمَالُهُمْ تَابِعَةٌ لِأَمْرِهِ فَلَا يَعْمَلُونَ إلَّا مَا أَمَرَهُمْ هُوَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِ فَهُمْ مُطِيعُونَ لِأَمْرِهِ سُبْحَانَهُ . وَقَدْ وَصَفَ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ مَلَائِكَةَ النَّارِ فَقَالَ: { قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا تَوْكِيدٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَا يَعْصُونَهُ فِي الْمَاضِي وَيَفْعَلُونَ مَا أُمِرُوا بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ . وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا وَهَذَا أَنَّ الْعَاصِيَ هُوَ الْمُمْتَنِعُ مِنْ طَاعَةِ الْأَمْرِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الِامْتِثَالِ فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ لِعَجْزِهِ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا فَإِذَا قَالَ: { لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ } لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ فَإِنَّ الْعَاجِزَ لَيْسَ بِعَاصٍ وَلَا فَاعِلٍ لِمَا أُمِرَ بِهِ وَقَالَ: { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } لِيُبَيِّنَ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى فِعْلِ مَا أُمِرُوا بِهِ فَهُمْ لَا يَتْرُكُونَهُ لَا عَجْزًا وَلَا مَعْصِيَةً . وَالْمَأْمُورُ إنَّمَا يَتْرُكُ مَا أُمِرَ بِهِ لِأَحَدِ هَذَيْنِ إمَّا أَنْ لَا يَكُونَ قَادِرًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا لَا يُرِيدُ الطَّاعَةَ فَإِذَا كَانَ مُطِيعًا يُرِيدُ طَاعَةَ الْآمِرِ وَهُوَ قَادِرٌ وَجَبَ وُجُودُ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ فَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ الْمَذْكُورُونَ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ . وَقَدْ وَصَفَ الْمَلَائِكَةَ بِأَنَّهُمْ { عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنِّي إلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } فَالْمَلَائِكَةُ مُصَدِّقُونَ بِخَبَرِ رَبِّهِمْ مُطِيعُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت