: { إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } . وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْإِسْلَامُ عَلَانِيَةٌ وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ } وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَعْدٍ: أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى رِجَالًا وَلَمْ يُعْطِ رَجُلًا . فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْت فُلَانًا وَفُلَانًا وَتَرَكْت فُلَانًا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ؟ فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمٌ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا } . وَبَسْطُ الْكَلَامِ فِي هَذَا لَهُ مَوَاضِعُ أُخَرُ وَقَدْ صَنَّفْت فِي ذَلِكَ مُجَلَّدًا غَيْرَ مَا صَنَّفْت فِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ . وَكَلَامُ النَّاسِ فِي هَذَا الِاسْمِ وَمُسَمَّاهُ كَثِيرٌ ؛ لِأَنَّهُ قُطْبُ الدِّينِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي الْقَوْلِ اسْمٌ عُلِّقَ بِهِ السَّعَادَةُ وَالشَّقَاءُ وَالْمَدْحُ وَالذَّمُّ وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ أَعْظَمَ مِنْ اسْمِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ ؛ وَلِهَذَا سُمِّيَ هَذَا الْأَصْلُ"مَسَائِلَ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ"وَقَدْ رَأَيْت لِابْنِ الْهَيْصَمِ فِيهِ مُصَنَّفًا فِي أَنَّهُ قَوْلُ اللِّسَانِ فَقَطْ وَرَأَيْت لِابْنِ الباقلاني فِيهِ مُصَنَّفًا أَنَّهُ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ فَقَطْ وَكِلَاهُمَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ وَكِلَاهُمَا يَرُدُّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ . و"الْمَقْصُودُ هُنَا"أَنَّ السَّلَفَ كَانَ اعْتِصَامُهُمْ بِالْقُرْآنِ وَالْإِيمَانِ . فَلَمَّا حَدَثَ فِي الْأُمَّةِ مَا حَدَثَ مِنْ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ صَارَ أَهْلُ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ شِيَعًا . صَارَ هَؤُلَاءِ عُمْدَتُهُمْ فِي الْبَاطِنِ لَيْسَتْ عَلَى الْقُرْآنِ وَالْإِيمَانِ وَلَكِنْ عَلَى أُصُولٍ ابْتَدَعَهَا شُيُوخُهُمْ عَلَيْهَا يَعْتَمِدُونَ فِي التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَالْإِيمَانِ بِالرَّسُولِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ مَا ظَنُّوا أَنَّهُ يُوَافِقُهَا مِنْ الْقُرْآنِ احْتَجُّوا بِهِ وَمَا خَالَفَهَا تَأَوَّلُوهُ ؛ فَلِهَذَا تَجِدُهُمْ إذَا احْتَجُّوا بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ لَمْ يَعْتَنُوا بِتَحْرِيرِ دَلَالَتِهِمَا وَلَمْ يَسْتَقْصُوا مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى ؛ إذْ كَانَ اعْتِمَادُهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَالْآيَاتُ الَّتِي تُخَالِفُهُمْ يَشْرَعُونَ فِي تَأْوِيلِهَا شُرُوعَ مَنْ قَصَدَ رَدَّهَا كَيْفَ أَمْكَنَ ؛ لَيْسَ مَقْصُودُهُ أَنْ يُفْهَمَ مُرَادَ الرَّسُولِ ؛ بَلْ أَنْ يَدْفَعَ مُنَازِعَهُ عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِهَا . وَلِهَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ - كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ كالرازي والآمدي وَابْنِ الْحَاجِبِ - إنَّ الْأُمَّةَ إذَا اخْتَلَفَتْ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ جَازَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَحْكَامِ عَلَى قَوْلَيْنِ . فَجَوَّزُوا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى الضَّلَالِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ الْآيَةَ وَأَرَادَ بِهَا مَعْنًى لَمْ يَفْهَمْهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ ؛ وَلَكِنْ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ أَرَادَ مَعْنًى آخَرَ وَهُمْ لَوْ تَصَوَّرُوا هَذِهِ"الْمَقَالَةَ"لَمْ يَقُولُوا هَذَا ؛ فَإِنَّ أَصْلَهُمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَلَا يَقُولُونَ قَوْلَيْنِ كِلَاهُمَا خَطَأٌ وَالصَّوَابُ قَوْلٌ ثَالِثٌ لَمْ يَقُولُوهُ ؛ لَكِنْ قَدْ اعْتَادُوا أَنْ يَتَأَوَّلُوا مَا خَالَفَهُمْ وَالتَّأْوِيلُ عِنْدَهُمْ مَقْصُودُهُ بَيَانُ احْتِمَالٍ فِي لَفْظِ الْآيَةِ بِجَوَازِ أَنْ يُرَادَ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِذَلِكَ اللَّفْظِ وَلَمْ يَسْتَشْعِرُوا أَنَّ الْمُتَأَوِّلَ هُوَ مُبَيِّنٌ لِمُرَادِ الْآيَةِ مُخْبِرٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى إذَا حَمَلَهَا عَلَى مَعْنًى . وَكَذَلِكَ إذَا قَالُوا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا هَذَا الْمَعْنَى وَالْأُمَّةُ قَبْلَهُمْ لَمْ يَقُولُوا أُرِيدَ بِهَا إلَّا هَذَا أَوْ هَذَا فَقَدْ جَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ الْأُمَّةَ وَأَخْبَرَتْ أَنَّ مُرَادَهُ غَيْرُ مَا أَرَادَهُ ؛ لَكِنْ الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ يَتَمَشَّى إذَا