فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 106

وَإِنَّ النَّاسَ فِي تَرْتِيبِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ عَلَى"أَقْسَامٍ": مِنْهُمْ مَنْ يُرَتِّبُهُمْ عَلَى زَمَانِ حُدُوثِهِمْ فَيَبْدَأُ بِالْخَوَارِجِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَتِّبُهُمْ بِحَسَبِ خِفَّةِ أَمْرِهِمْ وَغِلَظِهِ فَيَبْدَأُ بِالْمُرْجِئَةِ وَيَخْتِمُ بالجهمية كَمَا فَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَعَبْدِ اللَّهِ ابْنِهِ وَنَحْوِهِ وَكَالْخَلَّالِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ وَأَمْثَالِهِمَا وَكَأَبِي الْفَرَجِ المقدسي وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ تَخْتِمُ بالجهمية ؛ لِأَنَّهُمْ أَغْلَظُ الْبِدَعِ وَكَالْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ فَإِنَّهُ بَدَأَ بـ"كِتَابِ الْإِيمَانِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ"وَخَتَمَهُ"بِكِتَابِ التَّوْحِيدِ وَالرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ والجهمية". وَلَمَّا صَنَّفَ الْكُتَّابُ فِي الْكَلَامِ صَارُوا يُقَدِّمُونَ التَّوْحِيدَ وَالصِّفَاتِ فَيَكُونُ الْكَلَامُ أَوَّلًا مَعَ الجهمية وَكَذَلِكَ رَتَّبَ أَبُو الْقَاسِمِ الطبري كِتَابَهُ فِي أُصُولِ السُّنَّةِ والبيهقي أَفْرَدَ لِكُلِّ صِنْفٍ مُصَنَّفًا فَلَهُ مُصَنَّفٌ فِي الصِّفَاتِ وَمُصَنَّفٌ فِي الْقَدَرِ وَمُصَنَّفٌ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَمُصَنَّفٌ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَمُصَنَّفٌ فِي الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَبَسْطُ هَذِهِ الْأُمُورِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مَنْشَأَ النِّزَاعِ فِي"الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ"فِي الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ أَنَّهُمْ لَمَّا ظَنُّوا أَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ قَالَ أُولَئِكَ: فَإِذَا فَعَلَ ذَنْبًا زَالَ بَعْضُهُ فَيَزُولُ كُلُّهُ فَيَخْلُدُ فِي النَّارِ فَقَالَتْ الجهمية وَالْمُرْجِئَةُ: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ يَخْلُدُ فِي النَّارِ وَأَنَّهُ لَيْسَ كَافِرًا مُرْتَدًّا ؛ بَلْ هُوَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِذَا كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا تَامَّ الْإِيمَانِ [ لَيْسَ ] مَعَهُ بَعْضُ الْإِيمَانِ ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَهُمْ لَا يَتَبَعَّضُ فَاحْتَاجُوا أَنْ يَجْعَلُوا الْإِيمَانَ شَيْئًا وَاحِدًا يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فَقَالَ فُقَهَاءُ الْمُرْجِئَةِ: هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَالْقَوْلُ بِاللِّسَانِ فَقَالَتْ الجهمية بَعْدَ تَصْدِيقِ اللِّسَانِ قَدْ لَا يَجِبُ إذَا كَانَ الرَّجُلُ أَخْرَسَ أَوْ كَانَ مُكْرَهًا فَاَلَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ وَقَالَتْ الْمُرْجِئَةُ: الرَّجُلُ إذَا أَسْلَمَ كَانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَفْعَالِ . وَأَنْكَرَ كُلُّ هَذِهِ الطَّوَائِفِ أَنَّهُ"يَنْقُصُ"وَالصَّحَابَةُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَهُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَكَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: هُوَ يَتَفَاضَلُ وَيَتَزَايَدُ وَيُمْسِكُ عَنْ لَفْظِ يَنْقُصُ وَعَنْ مَالِكٍ فِي كَوْنِهِ لَا يَنْقُصُ رِوَايَتَانِ وَالْقُرْآنُ قَدْ نَطَقَ بِالزِّيَادَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَدَلَّتْ النُّصُوصُ عَلَى نَقْصِهِ كَقَوْلِهِ: { لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ } وَنَحْوِ ذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يُعْرَفْ هَذَا اللَّفْظُ إلَّا فِي قَوْلِهِ فِي النِّسَاءِ { نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ } وَجَعَلَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا أَنَّهَا إذَا حَاضَتْ لَا تَصُومُ وَلَا تُصَلِّي وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّهُ يَنْقُصُ . وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنْ الْإِيمَانَ يَتَفَاضَلُ مِنْ وَجْهَيْنِ: مِنْ جِهَةِ أَمْرِ الرَّبِّ وَمِنْ جِهَةِ فِعْلِ الْعَبْدِ . أَمَّا"الْأَوَّلُ"فَإِنَّهُ لَيْسَ الْإِيمَانُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ شَخْصٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ الْإِيمَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ كُلُّ شَخْصٍ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِمِقْدَارِ مِنْ الْإِيمَانِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أُمِرُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ وَأُمِرُوا بِتَرْكِ مَا كَانُوا مَأْمُورِينَ بِهِ كَالْقِبْلَةِ فَكَانَ مِنْ الْإِيمَانِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ الْإِيمَانُ بِوُجُوبِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ صَارَ مِنْ الْإِيمَانِ تَحْرِيمُ اسْتِقْبَالِهِ وَوُجُوبُ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ فَقَدْ تَنَوَّعَ الْإِيمَانُ فِي الشَّرِيعَةِ الْوَاحِدَةِ . و"أَيْضًا"فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَالزَّكَاةُ أَوْ الْجِهَادُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَانِ أَنْ يَعْلَمَ مَا أُمِرَ بِهِ وَيُؤْمِنَ بِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا مُجْمَلًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت