فَصْلٌ جِمَاعُ"الْفُرْقَانِ"بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ وَالرَّشَادِ وَالْغَيِّ وَطَرِيقِ السَّعَادَةِ وَالنَّجَاةِ وَطَرِيقِ الشَّقَاوَةِ وَالْهَلَاكِ: أَنْ يَجْعَلَ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ هُوَ الْحَقَّ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَبِهِ يَحْصُلُ الْفُرْقَانُ وَالْهُدَى وَالْعِلْمُ وَالْإِيمَانُ فَيُصَدِّقُ بِأَنَّهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ وَمَا سِوَاهُ مِنْ كَلَامِ سَائِرِ النَّاسِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ فَإِنْ وَافَقَهُ فَهُوَ حَقٌّ وَإِنْ خَالَفَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ وَافَقَهُ أَوْ خَالَفَهُ لِكَوْنِ ذَلِكَ الْكَلَامِ مُجْمَلًا لَا يُعْرَفُ مُرَادُ صَاحِبِهِ أَوْ قَدْ عُرِفَ مُرَادُهُ وَلَكِنْ لَمْ يُعْرَفْ هَلْ جَاءَ الرَّسُولُ بِتَصْدِيقِهِ أَوْ تَكْذِيبِهِ فَإِنَّهُ يُمْسِكُ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِعِلْمِ . وَالْعِلْمُ مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَالنَّافِعُ مِنْهُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ . وَقَدْ يَكُونُ عُلِمَ مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ ؛ لَكِنْ فِي أُمُورٍ"دُنْيَوِيَّةٍ"مِثْلِ الطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالْفِلَاحَةِ وَالتِّجَارَةِ . وَأَمَّا الْأُمُورُ"الْإِلَهِيَّةُ وَالْمَعَارِفُ الدِّينِيَّةُ"فَهَذِهِ الْعِلْمُ فِيهَا مَأْخَذُهُ عَنْ الرَّسُولِ فَالرَّسُولُ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِهَا وَأَرْغَبُهُمْ فِي تَعْرِيفِ الْخَلْقِ بِهَا وَأَقْدَرُهُمْ عَلَى بَيَانِهَا وَتَعْرِيفِهَا فَهُوَ فَوْقَ كُلِّ أَحَدٍ فِي الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ بِهَا يَتِمُّ الْمَقْصُودُ وَمَنْ سِوَى الرَّسُولِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي عِلْمِهِ بِهَا نَقْصٌ أَوْ فَسَادٌ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ إرَادَةٌ فِيمَا عَلِمَهُ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُبَيِّنْهُ إمَّا لِرَغْبَةِ وَإِمَّا لِرَهْبَةِ وَإِمَّا لِغَرَضِ آخَرَ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيَانُهُ نَاقِصًا لَيْسَ بَيَانُهُ الْبَيَانَ عَمَّا عَرَفَهُ الْجَنَانُ . وَبَيَانُ الرَّسُولِ عَلَى وَجْهَيْنِ . تَارَةً يُبَيِّنُ"الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ"الدَّالَّةَ عَلَيْهَا وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْبَرَاهِينِ الْيَقِينِيَّةِ عَلَى الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْمَطَالِبِ الدِّينِيَّةِ . وَتَارَةً يُخْبِرُ بِهَا خَبَرًا مُجَرَّدًا لِمَا قَدْ أَقَامَهُ مِنْ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْيَقِينِيَّاتِ عَلَى أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ الْمُبَلِّغُ عَنْ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا يَقُولُ عَلَيْهِ إلَّا الْحَقَّ وَأَنَّ اللَّهَ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ وَأَعْلَمَ عِبَادَهُ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ صَادِقٌ مَصْدُوقٌ فِيمَا بَلَّغَهُ عَنْهُ وَالْأَدِلَّةُ الَّتِي بِهَا نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ وَهِيَ أَدِلَّةٌ عَقْلِيَّةٌ تُعْلَمُ صِحَّتُهَا بِالْعَقْلِ وَهِيَ أَيْضًا شَرْعِيَّةٌ سَمْعِيَّةٌ لَكِنَّ الرَّسُولَ بَيَّنَهَا وَدَلَّ عَلَيْهَا وَأَرْشَدَ إلَيْهَا وَجَمِيعُ طَوَائِفِ النُّظَّارِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ اشْتَمَلَ عَلَى الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ فِي الْمَطَالِبِ الدِّينِيَّةِ وَهُمْ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ الْأُصُولِيَّةِ وَفِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَعَامَّةُ النُّظَّارِ أَيْضًا يَحْتَجُّونَ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ الْخَبَرِيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ فِي الْمَطَالِبِ الدِّينِيَّةِ فَإِنَّهُ إذَا ثَبَتَ صِدْقُ الرَّسُولِ وَجَبَ تَصْدِيقُهُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ . و"الْعُلُومُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ"مِنْهَا مَا لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَأَحْسَنُ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي بَيَّنَهَا الْقُرْآنُ وَأَرْشَدَ إلَيْهَا الرَّسُولُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ أَجَلَّ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَأَكْمَلَهَا وَأَفْضَلَهَا مَأْخُوذٌ عَنْ الرَّسُولِ ؛ فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُذْهَلُ عَنْ هَذَا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَحُ فِي الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي ذِهْنِهِ أَنَّهَا هِيَ الْكَلَامُ الْمُبْتَدَعُ الَّذِي أَحْدَثَهُ مَنْ أَحْدَثَهُ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ . وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْرِضُ عَنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ وَطَلَبِ الدَّلَائِلِ الْيَقِينِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي ذِهْنِهِ أَنَّ الْقُرْآنَ إنَّمَا يَدُلُّ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ فَقَطْ فَلَا بُدَّ أَنْ يُعْلَمَ بِالْعَقْلِ قَبْلَ ذَلِكَ ثُبُوتُ النُّبُوَّةِ وَصِدْقُ الْخَبَرِ حَتَّى يُسْتَدَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَبَرِ مَنْ ثَبَتَ بِالْعَقْلِ صِدْقُهُ وَمِنْهَا