فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 106

وَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْإِيمَانُ الْمُفَصَّلُ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ أَوَّلَ مَا يُسْلِمُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ الْمُجْمَلُ ثُمَّ إذَا جَاءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْمِنَ بِوُجُوبِهَا وَيُؤَدِّيَهَا فَلَمْ يتساو النَّاسُ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ وَهَذَا مِنْ أُصُولِ غَلَطِ الْمُرْجِئَةِ ؛ فَإِنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَأَنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ الْمُكَلَّفِينَ فَقَالُوا: إيمَانُ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَأَفْسَقِ النَّاسِ سَوَاءٌ ؛ كَمَا أَنَّهُ إذَا تَلَفَّظَ الْفَاسِقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَوْ قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ كَانَ لَفْظُهُ كَلَفْظِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ . فَيُقَالُ لَهُمْ: قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِيمَان الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ يَتَنَوَّعُ وَيَتَفَاضَلُ وَيَتَبَايَنُونَ فِيهِ تَبَايُنًا عَظِيمًا فَيَجِبُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى الْبَشَرِ وَيَجِبُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِمْ وَيَجِبُ عَلَى الْعُلَمَاءِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِمْ وَيَجِبُ عَلَى الْأُمَرَاءِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِمْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَمَلِ فَقَطْ ؛ بَلْ وَمِنْ التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ . فَإِنَّ النَّاسَ وَإِنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِقْرَارُ الْمُجْمَلُ بِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْرِفُونَ تَفْصِيلَ كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَمَا لَمْ يَعْلَمُوهُ كَيْفَ يُؤْمَرُونَ بِالْإِقْرَارِ بِهِ مُفَصَّلًا وَمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ الْأَعْمَالِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهُ وَمَعْرِفَةُ الْأَمْرِ بِهِ فَمَنْ أُمِرَ بِحَجِّ وَجَبَ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَالْإِيمَانُ بِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ أُمِرَ بِالزَّكَاةِ يَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الزَّكَاةِ وَمِنْ الْإِيمَانِ بِذَلِكَ وَالْعَمَلِ بِهِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ إذَا جَعَلَ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ لَيْسَا مِنْ الْإِيمَانِ وَإِنْ جَعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ كَانَ أَبْلَغَ فَبِكُلِّ حَالٍ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ . وَلِهَذَا كَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ قَدْ يُؤْمِنُ بِالرَّسُولِ مُجْمَلًا فَإِذَا جَاءَتْ أُمُورٌ أُخْرَى لَمْ يُؤْمِنْ بِهَا فَيَصِيرُ مُنَافِقًا مِثْلَ طَائِفَةٍ نَافَقَتْ لَمَّا حُوِّلَتْ الْقِبْلَةُ إلَى الْكَعْبَةِ وَطَائِفَةٍ نَافَقَتْ لِمَا انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَلِهَذَا وَصَفَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ وَذُكِرَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَقَالَ: { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ } { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: عَرَفُوا ثُمَّ أَنْكَرُوا وَأَبْصَرُوا ثُمَّ عَمُّوا . فَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ أَوَّلًا إيمَانًا مُجْمَلًا ثُمَّ يَأْتِي أُمُورٌ لَا يُؤْمِنُ بِهَا فَيُنَافِقُ فِي الْبَاطِنِ وَمَا يُمْكِنُهُ إظْهَارُ الرِّدَّةِ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِالنِّفَاقِ مَعَ خَاصَّتِهِ وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: { فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ } { طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } . و"بِالْجُمْلَةِ"فَلَا يُمْكِنُ الْمُنَازَعَةُ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ يَتَبَايَنُ فِيهِ أَحْوَالُ النَّاسِ وَيَتَفَاضَلُونَ فِي إيمَانِهِمْ وَدِينِهِمْ بِحَسَبِ ذَلِكَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النِّسَاءِ { نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ } وَقَالَ فِي نُقْصَانِ دِينِهِنَّ: { إنَّهَا إذَا حَاضَتْ لَا تَصُومُ وَلَا تُصَلِّي }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت