فالقرآن هو المصدر الأول من مصادر الإسلام التشريعية، فأي شبهة حوله هي شبهة في المصدر الأساس، ربما نتج عنها شك في الإسلام كله، إذ الإسلام كله يقوم على القرآن والسنة، ولكي تحقق قريش ذلك الشك أثارت الشبهات في القرآن كما أشرنا.
إن هذه الشبهات التي أثارتها قريش حول القرآن، لا تختلف كثيرًا عن الشبهات، التي يثيرها أعداء الدعوة حول القرآن في عصرنا هذا إن لم تكن امتداد لها فإن قالت قريش أساطير الأولين، فالمعاصرون قالوا: إن القرآن مأخوذ من حكايات فرق النصارى الضالة [1] .
وإذا قال الأقدمون إنما يعلمه (بلعام) ، قال المعاصرون: إن الحنفاء هم الذين علموا محمدًا القرآن [2] ، وقد أصبحت مسألة ادعاء تأليف محمد للقرآن لدى المستشرقين أمرًا لا يقبل الجدل [3] ، وتلقفت (أوكار التجسس) العالمية أفكار هؤلاء المستشرقين، وأضحت تروج لها عبر الإعلام بوسائله المختلفة، وعبر المنظمات الكنسية بصورة واسعة في شكل نشرات وكتيبات، توجه للمسلمين وغير المسلمين [4] .
ومن أساليبهم التي اتبعوها في تنفير الناس عن القرآن، أنهم كانوا يعارضون القرآن بقصص وأساطير الأولين، ليشغلوا بها الناس عن سماع القرآن [5] .. لقد ذهب النضر بن الحارث إلى الحيرة، ليتعلم أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم، واسفنديار، من أجل أن يعارض القرآن. وعند رجوعه من الحيرة، وبعد أن تعلمها، بدأ في تنفيذ مهمته، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه و سلم مجلسًا للتذكير بالله، والتحذير من نقمته، خلفه النضر قائلًا: والله ما محمد بأحسن حديثًا مني، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، ورستم، واسفنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثًا مني؟ [6]
هذه الحادثة تُظهر مدى اهتمام الرؤوس المدبرة لدى قريش بالقضاء على أثر القرآن على الناس، مما جعلهم يبتعثون أحدهم لتعلم القصص والأساطير من أجل معارضة القرآن.
وربما كانت حادثة الإسراء والمعراج، من أكبر الحوادث، التي استغلتها قريش في شن حرب نفسية على الرسول صلى الله عليه و سلم، فبعد عودته من رحلة الإسراء والمعراج، جلس في الحرم ينوي إخبار قريش بالأمر، مر به أبو جهل، فقال له: هل من خبر؟ فقال: (نعم) . قال: وما هو؟ فقال: (إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس) . قال: إلى بيت المقدس؟ فقال: (نعم) . قال أبو جهل: (هيا معشر قريش) ، وقد اجتمعوا من أنديتهم. فقال: أخبر قومك بما أخبرتني به. فقص عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم خبر ما رأى، وأنه جاء بيت المقدس وصلى فيه، فإذا بالقوم بين مصفق ومصفر، تكذيبًا له، واستبعادًا لخبره، وطار الخبر
(1) - انظر تنوير الأفهام في مصادر الإسلام، بدون مؤلف ودار نشر، ص 84.
(2) - المرجع السابق، ص 161.
(3) - انظر الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، محمود حمدي زقزوق، ص 85، كتاب الأمة 5.
(4) - يمكن الرجوع إلى بحث النشرات والرسائل الموجهة لتنصير المسلمين، إبراهيم علي محمد أحمد.
(5) - انظر الرحيق المختوم لصفي الرحمن، ص 98.
(6) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 299. وتفهيم القرآن لأبي الأعلى المودودي، ج 4 ص 8 - 9، ط مكتبة جماعت إسلامي.