فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 50

أسباب العجز

لعجز الثقات أسباب كثيرة، منها ما هو ذاتي في الثقة نفسه، ومنها ما هو خارجيّ عنه.

فأمّا الخارجي فينقسم إلى قسمين:

الأول: أسباب لا يملك الإنسان إزاءها شيئًا، فهذه لا حيلة له فيها، والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وقد رفع الحرج عن عبده، فيصبر الإنسان حيال المصاعب كما صبر الصحابة في مكة - رضي الله عنهم - حيال الفقر والظلم والإيذاء.

الآخر: أسباب يملك الإنسان أن يتعامل معها ويتجاوز عجزه إزاءها مثل أن تكون تحته زوجة متسلطة، أو خارجة عن حدود الله تعالى فيضبطها أو يفارقها، أو أن يميل إلى شهوة محرمة يملك قطع أسبابها عنه بالصبر والتقوى، أو أحاطت به أسباب من الرفاهية والدعة يملك أن يخشوشن إزاءها، وهكذا.

وأما الأسباب الذاتية المولدة للعجز فهي التي قد تتعب صاحبها أو تستعصي عليه استعصاءًا كبيرًا؛ إذ لا بد له من تجاوزها حتى يخرج عن إسار عجزه، وتجاوزها يكمن في إصلاح طويل وتهذيب مستمر لأمراض ورعونات ليس من السهل أبدًا إصلاحها، لكن الاعتصام بالله تعالى الفزع إليه ودعاؤه مع الأخذ بأسباب العلاج كل ذلك كفيل بالتخفيف من آثار تلك الأمراض والرعونات إلى حد كبير.

فمن تلك الأسباب [1] :

أ/ التواضع الكاذب:

وأعني به ذلك الانكسارَ الدائم في شخصية المرء، فتجده يعتذر دائمًا بأنه ضعيف لا يستطيع تحمل المسؤولية، أو هو أقل مما يؤمل منه، أو أن الآخرين خُدعوا به حيث ظنوا فيه خيرًا [2] ، أوَ لم يعلم أن قليله كثير عند الآخرين، وما يظنه من نفسه إنما هو بخلاف ما وهبه الله من قدرات مكنونة في نفسه ينتظرها ويرجو خير سائر المسلمين؟

والعجيب أن مثل هذا المنكفئ المنكسر يرى من هو أقل منه علمًا وفقهًا يتصدر ويُسمع قوله وهو ما زال مترددًا متعللًا متوانيًا.

والخطر في هذا الخلق الذميم أن صاحبه قد يعتاد استعظام الأمور حتى إن كانت يسيرة، فينتهي به الأمر إلى القعود والعجز الكلي، والعياذ بالله.

ومن كانت هذه حاله فإنه لا يرجى له أن يتجاوز عثار عجزه هذا إلا أن يعزم عزمًا أكيدًا على تجاوز هذا الخلق الذميم الذي ينافي الإقدام والجرأة والاستجابة للمعالي وغير ذلك من الصفات المطلوبة في المرء المسلم.

قال الشاعر:

قد رشّحوك لأمرٍ لو فطِنتَ له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهَمَلِ

ب/ التحسس ورهف المشاعر:

(1) إنما عرضت للأسباب الذاتية وتوسعت في ذكرها لأن من طرقها وعالجها قليل، بخلاف الأسباب الخارجية فقد كثر الحديث عنها.

(2) كنت قد أشرت في كتاب (التنازع والتوازن في حياة المسلم) مسألة التصدر قبل أوان التأهل وناقشتها، فيُجمع بينها وبين ما هنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت