فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 50

إن الشخصية اللطيفة الحس، المستقيمة في تصوراتها وعواطفها لهي الشخصية المطلوبة الجيدة حقًا، أما إن طغت عليها عواطفها، وأصبحت في غاية التحسس والرقة فإن في ذلك فسادَها وذهاب قوتها وتميزها، ولا يعود يستطاع التبسط في الحديث مع من شأنه كذلك؛ إذ هو يحمل الكلام على محاملَ كثيرة، ويؤل تأويلات لا يحتملها الكلام بل لم تخطر على بال المتكلم أصلًا، ويصير ذلك الشخص متأثرًا بالأحداث حوله إلى الغاية التي تنفر أقرب الناس إليه من حاله وصفته.

وهذا كله مدخل كبير إلى عجز ذلك المتحسس عجزًا كبيرًا؛ لأنه لا يستطيع الخلطة مع الناس على وجه مُرضي، ولا الناس يرغبون في لقائه والمكث معه وهو كذلك، فينتهي به الأمر إلى العزلة والانقطاع، ومن ثم العجز التام عن المشاركة في الإصلاح والدعوة إليه.

ولقد عرفت رجالًا كان هذا شأنهم الذي سطرته آنفًا، وهو يعيشون الآن على هامش الحياة بسبب غلبة عواطفهم عليهم وعدم استطاعتهم التحكم فيها والاستفادة منها ولوقوفهم الدائم عند صغائر الأمور التي لا يُلقي أكثر الناس لها بالًا.

وعلاج أولئك عسير عسير، وما لم يوفقهم الله تعالى فإنه لا يُرجى لهم البرءُ من مرضهم هذا؛ حيث إنه قد نشأ لديهم منذ الصغر - غالبًا - واعتادوا عليه وطُبعوا به فلا انفكاك لهم عنه إلا أن يشاء الله تعالى أمرًا آخر، وقد يحتاج صاحب هذا الخلق أن يتردد على طبيب بارع في معالجة علل النفوس حتى يتخلص من بعض أعراض مرضه هذا، والله الموفق.

ج/ الكسل:

وهو صفة مستحكمة في كثير من الخلق، تدعوهم إلى القعود عن المعالي والفضائل، والرضا بالدون من كل شيء.

والكسل أكثر منشئه من الترف والدَّعة، والتبسط إلى الدنيا، والعَبّ من شهواتها وملاذَها، وعدم الالتفات إلى ما يخاف ذلك أو يُنغص عليه.

والكسل مؤد إلى العجز ولا بد، حيث إنه يمنع المرء من الخروج من منزله وحيِّه لغرض الإصلاح والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل يمنع المرء من الحركة إلى المساجد وطلب العلم، بل قد يمنع من الحركة في بيته لتربية أولاده ومراقبتهم، ومن كان حاله كذلك فهو العاجز عجزًا كليًا، نسأل الله السلامة والعافية.

"والكسل آفة النجاح، وهو وباء فتاك يفتك بكل من يصيبه فيجعله عاجزًا عن تحمل مسؤولياته كإنسان وفاشلًا في تكوين مستقبله ككيان مستقل، ومنهزمًا أمام تحديات الحياة ... ولقد اعتبر الإسلام الكسل صفة ذميمة، فلقد ذمَّ الله عز وجل الكسالى في كتابه المجيد، قال تعالى {وَلَا يَاتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى} [1] ، وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ من الكسل ... فعن أنس - رضي الله عنه - كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل" [2] ."

وقال علي - رضي الله عنه: التواني مفتاح البؤس، وبالعجز والكسل تولدت الفاقة ونتجت الهلكة، ومن لم يطلب لم يجد وأفضى إلى الفساد.

وقال بعض الحكماء: الحركة بركة، والتواني هلكة، والكسل شؤم [3] .

وإياك"وإيثار الخفض والدَعَة، والميل إلى الراحة والسعة؛ فإن خواتم هذه الخصال مذمومة، وعقباها كريهة وخيمة ... ودع الضجر والكسل وحب العاجلة فإنها من أخلاق البهائم ...." [4] .

(1) سورة التوبة: آية 54.

(2) صحيح البخاري: كتاب الدعوات: باب التعوذ من غلبة الرجال.

(3) (الشخصية الناجحة) : 60 - 62، وقد نقل المصنف قول علي - رضي الله عنه - من (المستطرف) : 2/ 127.

(4) (البصائر والذخائر) : 2/ 7 - 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت