درهم، واستحسنت رأي من لا يقبل شهادة راكب البحر، هذا كله خطر لي لعظم الهول الذي شاهدته من حركة البحر وتموجه.
فبينا أنا في ذلك إذ التفت إليّ وقال: إنه متى يسّر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد وأوصيت وودّعت، وركبت هذا البحر إلى جزائرهم أتبعهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموات.
فعظم وقع هذا الكلام عندي حيث ناقض ما كان يخطر لي وقلت له: ليس في الأرض أشجع نفسًا مِن المولى، ولا أقوى نيّة منه في نصرة دين الله، وحكيت له ما خطر لي، ثم قلت: ما هذه إلا نية جميلة ولكن المولى يُسيّر في البحر العساكر، وهو سور الإسلام ولا ينبغي أن يخاطر بنفسه.
فقال: أنا أستفتيك: ما أشرف الميتات؟ فقلت: الموت في سبيل الله.
فقال: غاية ما في الباب أن أموت أشرف الميتات.
قال: فانظر إلى هذه الطويّة ما أطهرها، وإلى هذه النفس ما أشجعها وأجسرها" [1] ."
أرأيت - أخي القارئ - ذلك الهدفَ العظيم الذي وضعه صلاح الدين - رحمه الله - لنفسه، وكيف كان يسعى لتحقيقه، فمن وضع هدفًا لنفسه يقارب ذلك أو يماثله أتراه يعجز أو يكل دون تحقيقه؟
وإذا كانت النفوسُ كِبارًا ... تعبت في مرادها الأجسامُ.
تاسعًا / خلف الوعد:
وهذا من الثقة قبيح؛ إذ أنه يعدّ بفعل كذا ولا يفعله ويتعهد بإنجاز أمر ثم لا ينجزه، والأقبح من ذلك أن يعدك بالحضور في ساعة كذا ثم إنه لا يحضر ولا يعتذر، أو أنه يحضر متأخرًا معتذرًا بأعذار واهيات لا تُقبل من أمثالهم من الثقات، وكم اقتطع الناس زمانًا طويلا من أوقاتهم الثمينة انتظارًا لأشخاص لا يحترمون أوقاتهم ولا ينجزون ميعادهم، وإذا حضروا تراهم غير آبهين لما صنعوه ولا مكترثين لِما فعلوه.
ومن جنس ذلك الصنيع عدمُ الاستمرار في العمل الصالح بعد البدء به، وعدم المواظبة على معالي الأمور بعد التعهد بإنجازها.
وما أُوتي هؤلاء الناس إلا من قلة فهمهم، وعدم معرفتهم بالوعيد المترتب على خلف الوعد عمدًا، وعدم تصورهم للأضرار التي يحدثها تأخرهم؛ الأضرار النفسية الناتجة عن طول الانتظار والتوجّس، والأضرار الكائنة في تضييع الزمان وإهدار الأوقات الثمينة، وقد يترتب على تأخرهم الدائم عدم الثقة بهم، وقلة الاكتراث بحضورهم أو تغيبهم، والله المستعان.
قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) } [2] ... .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: [آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذَب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمِن خان] [3] .
وقالت الحكماء:
-خلف الوعد ثلث النفاق.
-لا خير في وعد مبسوط وإنجاز مربوط.
-عهد اللئيم مَطُل [4] وتعليل.
-لا تقُل بلسانك ما لا تعتقده مِن إحسانك.
-الرد الجميل أحسن من الوعد الطويل.
-ليس وعده إلا خديعة وسراب بقيعة [5] .
(1) (مختصر الروضتين) : 383.
(2) سورة الصف.
(3) صحيح البخاري: كتاب الإيمان: باب علامات المنافِق.
(4) أي: تأخير.
(5) القيعة: جمع القاع، وقيل هي لغة في القاع، وهو المنخفض مِن الأرض المستوي منها.