وملك عليهم هذا"الرجيم"حياتهم، وليتهم استنوا بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطعام لكان ذلك منهم عبادة لكنهم انصرفوا عنها، وصاروا يعاقبون أنفسهم بمجاهدات لم ينزل الله بها مِن سلطان، ويصبر أحدهم صبرًا عجيبًا على هذا"الرجيم"ما لا يصبر عُشر معشاره على فضائل ترقى به إلى عالي جنات النعيم.
والعجيب أنهم في سبيل تحقيقهم متطلبات هذا الرجيم يعرضون عن القِرى وهم ضيوف، بل إن بعضهم يعاتب صاحب المنزل لعدم تقديمه ما يناسبهم من الاهتمامات، بل إن بعضهم - والله - لا يفطر على التمر وهو صائم بدعوى أن فيه سعرات حرارية كثيرة، وبعضهم - وهو الأنكى - يُعرض عن ماء زمزم بدعوى أنه"طعام طُعم" [1] أي أنه يخالف ما يصبون إليه من"رجيمهم"هذا، فتجد أحدهم يُعرض عن هذا الماء المبارك ويشرب غيره، أرأيتم أعجب وأتفه مِن هذا!
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب العسل والحلواء [2] ، ويأكل اللحم، ويقبل ما يقدم إليه إلا أن يعافه، وهؤلاء يتركون الطعام المبارك بدعوى الرجيم.
إني لأظن أن الشيطان قد تصرف في أمثال هؤلاء تصرفًا عجيبًا، وأوقعهم في حبائلَ مِن كيده حيث صرفهم عن المعالي إلى التوافه مِن الأمور.
نعم لو أنهم أخذوا بتعاليم هذا النظام الغذائي بقدر وانصرفوا لما يهمهم من أمر دنياهم وأخراهم لكان لهم وجه في تصرفهم، لكن أن يجعلوا اهتمامهم الأعلى في الحياة هو هذا الأمر فهذا هو الخسران، نسأل العافية.
ولو مكثت أحدثكم عن أفكار هؤلاء وكيف يتصرفون لأتيت لكم بالعجب لكن حسبي ما قدمته دليلًا على عجز بعض الثقات الواضح عن الاشتغال بمعالي الأمور.
وإذا عقدنا مقارنة بين أهداف أولئك التافهة وهدف عظيم لثقة من ثقات المسلمين لرأينا عجبًا، هذا الطبيب عبد الرحمن السميطي الكويتي - حفظه الله تعالى - وضع هدفًا أعلى لحياته وهو إنقاذ مسلمي إفريقيا من التنصير، وهداية وثنيِّهم، وهذا هدف يعجز عنه أعداد ضخمة مِن الثقات، لكن الرجل وضع هذا الهدف منذ قرابة عشرين سنة وظل يعمل له بدون كلل، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا، وقد نجح في هدفه هذا نجاحًا لا يستطيع التاريخ أن يتجاوزه، بل أزعم واثقًا أن الرجل ممن غيّر مسار تاريخ إفريقيا بالكامل، حيث ضايق الدوائر الكنسية المخربة، وأرّفها وأقضّ مضاجعها، وبنى مِن المساجد والمدارس والمستشفيات والإذاعات والآبار ما سيكتب له بحروف من نور إن شاء الله تعالى.
أرأيتم إذا عظم هدف الثقة كيف يبدع ويفعل ما يشبه المحال، وكما أنه إذا تدنت أهدافه أصبح على هامش الحياة لا يؤبه له ولا يُشعر أنه عاش في هذا الحياة أصلًا.
وهناك ثقات كثيرون يغيرون مسار التاريخ في الأمريكتين، وأوربا، واستراليا، وإفريقيا حيث يعملون ليل نهار، وفي ذهنهم أهداف عظام طمحوا إليها ونفذوا كثيرًا، وكثير من عجزة الثقات يرمقونهم ببرود بل إن بعضهم يحاربونهم ويقفون في وجه أهدافهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إذن ينبغي على كل ثقة أن يضع نصب عينه هدفًا عظيمًا يحاول بكل جهده أن يصل إليه، والله الموفق.
انظر إلى صلاح الدين الأيوبي - رحمه الله - حيث جاهد الصليبين جهادًا عظيمًا متواصلًا، لكنّ هدفه كان أسمى من انتصارات وقتية أو إخراجهم من بلاد الشام، هذا أحد أصحابه يحكي أنه كان سائرًا معه من عسقلان إلى عكّا،"وكان الزمان شتاءً عظيمًا، والبحر هائجًا هيجانًا عظيمًا، وموجه كالجبال، كما قال الله تعالى."
وكنت حديث عهد برؤية البحر، فعظم أمر البحر عندي حتى خُيّل لي أنني لو قال لي قائل: لو جُزت في البحر ميلًا واحدًا ملكتك الدنيا لما كنت أفعل، واستخفف رأي مَن يركب البحر رجاء كسب دينار أو
(1) جزء من حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد، أوله:"إنها مباركة، وإنها طعام طُعم"، انظر"الفتح الرباني": 23/ 248.
(2) جزء من حديث صحيح أخرجه الستة عن عائشة - رضي الله عنها -، انظر مثالًا: صحيح البخاري: كتاب الطلاق: باب {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} .