أولئك: لماذا هم كذلك؟ لأجابوا: لأننا لا نعلم ولا ندري فنحن لا نقرأ، إذن هُم رضوا بعجزهم بل بعضهم يفخر به بقوله: أنا لا أحب القراءة ولا أستطيعها.
وهذا إن لم يقرأ ليعلم ويدعو عن علم فمن يقرأ إذن؟!
الثقة إن تخلف وضعف في باب الثقافة فلم يتزود ولم يُحنِ ظهره ويسهر ليله فمن يتصدر ويتحدث عن الإسلام؟! أيتحدث عنه الكفار، أو أعداؤه ممن جهلوه، أو عامة الضعاف الذين ليسوا مؤهلين في الأصل لهذا؟!
لهذا تجد أن باب العجز قد فتح على مصراعيه لمثل أولئك الثقات الذين رضوا بأن يعيشوا فارغين لا يعرفون عن دينهم وشرعهم وحضارتهم وثقافتهم إلا أقل القليل، والعَجَب أنهم يدّعون بعد ذلك حماية الإسلام والدعوة إليه.
قال الأستاذ القرضاوي:"هناك عجز في المعرفة بالحاضر المعيش والواقع المعاصر، وهناك جهل بالآخرين نقع فيه بين التهويل والتهوين مع أن الآخرين يعرفون عنا كل شيء وقد كشفونا حتى النخاع، بل هناك جهل بأنفسنا، فنحن إلى اليوم لا نعرف حقيقة مواطن القوة فينا ولا نقاط الضعف لدينا، وكثيرًا ما نضخم الشيء الهيّن وما نهوّن الشيء العظيم، سواءً في إمكانياتنا أم في عيوبنا" [1] .
وقال الأستاذ سيد - رحمه الله تعالى:"لا بدّ أن نحيط بثقافة عصرنا وحضارته، وممارسة هذه الثقافة وهذه الحضارة ممارسة اختبار واختيار، فإننا لا نملك الحكم على ما ينبغي أن نأخذ منها وما ينبغي أن ندع إلا إذا سيطرنا عليها بالمعرفة والاختيار، فمن المعرفة والخبرة تستمد سلطان الاختيار" [2] .
لكن ينبغي أن يُعلم"أن المسلم لا يملك أن يتلقى في أمر يختص بحقائق العقيدة، أو التصور العام للوجود أو يختص بالعبادة أو يختص بالخُلق والسلوك والقيم والموازين أو يختص بالمبادئ والأصول في النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، أو يختص بتفسير بواعث النشاط الإنساني وبحركة التاريخ الإنساني إلا من ذلك المصدر الرباني، ولا يتلقى في هذا كله إلا عن مسلم يثق في دينه وتقواه ومزاولته لعقيدته في واقع الحياة."
ولكن المسلم يملك أن يتلقى في العلوم البحتة كالكيمياء والطبيعة والأحياء والفلك والطب والصناعة والزراعة وطرق الإدارة - من الناحية الفنية الإدارية البحتة - وطرق العمل الفنية، وطرق الحرب والقتال - من الجانب الفني- إلى آخر ما يشبه هذا النشاط، يملك أن يتلقى في هذا كله عن المسلم وغير المسلم، وإن كان الأصل في المجتمع المسلم حين يقوم أن يسعى لتوفير هذه الكفايات في هذه الحقول كلها باعتبارها فروضَ كفاية ... ولكن إلى أن يتحقق هذا فإن للفرد المسلم أن يتلقى في هذه العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية من المسلم وغير المسلم ... وهي لا تتعلق بتكوين تصور المسلم عن الحياة والكون والإنسان وغاية وجوده وحقيقة وظيفته ونوع ارتباطاته بالوجود من حوله بخالق الوجود كله، ولا تتعلق بالمبادئ والشرائع والأنظمة والأوضاع التي تنظم حياته أفرادًا وجماعات، ولا تتعلق بالأخلاق والآداب والتقاليد والعادات والقيم والموازين التي تسود مجتمعه وتؤلف ملامح هذا المجتمع [3] ، ومن ثّمَّ فلا خطر فيها من زيغ عقيدته أو ارتداده إلى الجاهلية ...
إنه قد يطّلع على كل آثار النشاط الجاهلي ولكن لا ليكوِّن منه تصوره ومعرفته في هذه الشؤون كلها إنما ليعرف كيف تنحرف الجاهلية، وليعرف كيف يصحح ويقوِّم هذه الانحرافات البشرية بردها إلى أصولها الصحيحة في مقومات التصور الإسلامي وحقائق العقيدة الإسلامية ...
إن حكاية أن الثقافة"تراث إنساني"لا وطن له ولا جنس ولا دين حكاية صحيحة عندما تتعلق بالعلوم البحتة وتطبيقاتها العلمية دون أن تجاوز هذه المنطقة إلى التفسيرات الفلسفية"الميتافيزيقية" [4] لنتائج هذه العلوم، ولا إلى التفسيرات الفلسفية لنفس الإنسان ونشاطه وتاريخه، ولا إلى الفن والأدب والتعبيران
(1) (أولويات الحركة الإسلامية) : 21 نقلًا عن (مقومات الداعية الناجح) : 56.
(2) (المستقبل لهذا الدين) : 118.
(3) ذكر الأستاذ سيد - رحمه الله - جوانب كثيرة من الثقافة الإسلامية في كلامه هنا.
(4) أي الغيبية.