وقال أيضًا:"وقد عُرف وَهْنُ كلام الأقران المتنافسين بعضهم في بعض نسأل الله السماح" [1] .
وقال ابن القيم [2] - رحمه الله:"ومن قواعد الشرع والحكمة أيضًا أن من كثرت وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يُحتمل منه ما لا يُحتمَل لغيره، ويُعفى عنه ما لا يُعفى عن غيره، فإن المعصية خَبَثٌ، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخَبَث بخلاف الماء القليل فإنه لا يحتمل أدنى خَبَث" [3] .
ولقد كان بعض السلف يقول:"ما أحسب أن أحدًا تفرغ لعيب الناس إلا من غفلةٍ غفلها عن نفسه" [4] .
وفي آخِر هذا المبحث لا بد أن أنقل كلام أحد السلف خاتمًا وناصحًا ومذكرًا:"ما رأيت شيئًا أحبط للأعمال، ولا أفسد للقلوب، ولا أسرع في هلاك العبد، ولا أدوم للأحزان، ولا أقرب للمقت، ولا ألزم لمحبة الرياء والعُجب والرياسة من قلة معرفة العبد لنفسه ونظره في عيوب الناس" [5] .
سادسًا / ضعف الثقافة:
الثقافة كلمة معاصرة؛ إذ لم يعرف العرب استعمال هذه الكلمة على هذا النحو التي تدل عليه اليوم، وإن كان للكلمة اتصال بالمعنى اللغوي القديم [6] .
وقد حار المفكرون في تعريف جامع للثقافة [7] ، ولكن هناك تعريفات قريبة من واقع الكلمة؛ فمنها أنها:"مجموعة من الصفات الخُلُقية والقيم الاجتماعية التي يتلقاها الفرد منذ ولادته ... والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته" [8] .
أو هي"الصورة الحية للأمة، فهي التي تحدد ملامح شخصيتها وقوام وجودها، وهي التي تضبط سيرها في الحياة، وتحدد اتجاهها فيها، إنها عقيدتها التي تؤمن بها، ومبادئها التي تحرص عليها، ونظمها التي تعمل على التزامها، وتراثها الذي تخشى عليه الضياع والاندثار، وفكرها الذي تود له الذيوع والانتشار" [9] .
ويقولون:"تعلم شيئًا عن كل شيء لتكون مثقفًا، وتعلم كل شيء عن شيء لتكون عالمًا" [10] .
والثقافة ضرورة للثقات لا غنى لهم عنها، سواءً أكانت ثقافة إسلامية أم ثقافة إنسانية عالمية؛ وذلك حتى يتمكن المرء من معرفة واقعه على ما هو عليه من غير استهانة ولا مبالغة، وهذه المعرفة ضرورة لمواجهة مكر الأعداء وكيدهم وحقدهم على الإسلام والمسلمين، وهي ضرورة للداعية الراجي تقويم قومه وردهم إلى حظيرة الإسلام والاقتناع بشعائره وشريعته وتطبيقها في واقع الحياة.
وأعرف ثقات كثيرين لا يستطيعون الحديث الجيد عن الإسلام في المجالس، ولا يملكون الوسيلة لرد الشبهات الواردة عليه، ولا يقدرون على مجادلة الضالين، وأصحاب الأهواء والشهوات، بل لا يستطيعون عرض فضائل الإسلام وسماحته ولا يتمكنون من إيراد قصص عظائمهم وبطولاتهم وتضحياتهم وجهادهم وزهدهم وعبادتهم.
ولا يُظن بي المبالغة فهذا واقع في دنيا الثقات، ولم آتِ بشيء - في هذا الكتاب - يعد من الخيال أو التخرصات أو المبالغات - إن شاء الله تعالى - فكل ما ذكرته واقع مفتقر إلى معالجة جادة، ولئن سألت
(1) (العوائق) : 149 نقلًا عن (عيون الأخبار) لابن قتيبة: 2/ 14.
(2) الشيخ الإمام محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُرعي الدمشقي، شمس الدين ابن قيّم الجوزية الحنبلي، ولد سنة 691، وكان جريء الجنان، واسع العلم، عارفًا بالخلاف ومذاهب السلف. غلب عليه حب شيخ الإسلام ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله بل ينتصر له في جميع ذلك، وكان كثير الصلاة والتلاوة، حسن الخلق، كثير التودد، توفي بدمشق سنة 751: انظر (الدرر الكامنة) : 4/ 21 - 23.
(3) (العوائق) : 139 نقلًا عن (مفتاح دار السعادة) لابن القيم.
(4) المصدر السابق: 149 نقلًا عن (عيون الأخبار) لابن قتيبة: 2/ 14.
(5) المصدر السابق: 147 - 148 نقلًا من كلام السّري السقطي - رحمه الله -.
(6) انظر (لمحات في الثقافة الإسلامية) : 22 - 26.
(7) (نحو ثقافة إسلامية أصلية) : 17.
(8) (الشخصية الناجحة) : 213.
(9) (لمحات في الثقافة الإسلامية) : 13.
(10) (نحو ثقافة إسلامية أصلية) : 18.