فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 50

وناهيك بمن يصرف عمله متشاغلًا بما زعمه حقوقًا للزوجة والأولاد، تاركًا الدعوة إلى الله تعالى وضاربًا بمصالح الأمة عَرْض الحائط، ولو أعطاهم حقهم باعتدال كما صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - وانصرف إلى أولويات أخرى مهمة لحفظ الله تعالى له أهله وأعظم له أجره.

خامسًا / طعن الثقة في إخوانه الثقات:

إنّ من أعظم العجز وأوضحه وأبينه نذر الثقة نفسه بفضح عيوب الآخرين لاسيما إن كانوا ثقات [1] ، وقيامه بهذا في المحافل والمجامع ووسائل الإعلام، ألا يعلم أنّ مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه أو مخالفته لمجموعة من الثقات شذوذ؟! وليتأكد أن الشيطان قد سوّل له وزين هذا الطعن بحجة الجرح والتعديل والقيام بتبيين الحق، إذ قد يكون بعض ما يقوله الطاعن حقًا لكنه مغموس في بحر من التجني والتشفي والهوى، والمقرر من قواعد الإسلام أن الجرح والتعديل إن خولط بهوى وتسفٍّ وتجنٍّ فإنّ صاحبه مأزور غير مأجور، وقوله مرفوض غير مقبول.

وإن من المصائب حقًا أن يأتي ثقة من الثقات ليرمي مجموعة ضخمة من الناس بجرح مبني على ظنٍّ ووهم، فكيف يصنع هذا المسكين بهم إن جاؤوا يوم القيامة يحاجونه بين يدي الله تعالى وليس مع ذلك المسكين شيءٌ إلا سمعت وظننت وقيل لي؟! ولم يكن السلف يجرحون ذلك الجرح العام إلا مع طوائف عقدية غالت في بدعها واتّفق أفرادها على أصول بدعية اقتضت تعميم الجَرح، هذا مع الورع الثخين وتنزيه اللسان عن الجَرح ما استطاعوا، أمّا حال هذا المسكين فكل طوائف السلف يتنزهون عنه وكانوا"على أشدّ الخوف من هذا الخُلق الرديء، الذي قد يلبسه إبليس رداء النصح والأمر بالمعروف، وصاحب القلب الحي يميّز هذا عن هذا بوضوح" [2] .

ولقد عِيب علماء أفاضل بسبب طعنهم في أفراد من العلماء والثقات حتى عرفوا بذلك وشهّروا به في فعِيب عليهم صنيعهم هذا [3] ، فكيف بمن يعيب أممًا وطوائف وجماعات ويطعن فيهم بلا مُستنَد من دينٍ أو عقل، ولا وازع من ورعٍ أو ضمير.

وإن لم يكن قد فاته إلا سلامة صدره على المسلمين وعِظم أجر تلك الفضيلة فقد فاته خيرٌ كثير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قال الإمام الذهبي [4] - رحمه الله:"كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوىً وعصبية لا يلتفت إليه، بل يُطوى ولا يُروى ... ووقع في كتب التواريخ وكتب الجَرح والتعديل أمور عجيبة، والعاقل خصم نفسه، ومن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ولحوم العلماء مسمومة ... وبكل حال فالجهال والضلاّل تكلموا في خيار الصحابة، وفي الحديث: [لا أحدٌ أصبر على أذىً يسمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدًا وإنه ليرزقهم ويعافيهم] [5] ."

وقال الإمام الذهبي أيضًا:"وقد عُلِم أن كثيرًا من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر لا عبرة به، لاسيّما إذا وثّق الرجلَ جماعةٌ يلوح على قولهم الإنصاف" [6] .

وقال أيضًا:"وبكلّ حال كلام الأقران بعضهم في بعض يُحتمل، وطيّه أولى من بثّه إلا أن يتفق المتعاصرون على جرح شيخ فيُعتمد قولهم، والله أعلم" [7] .

(1) من يصنع ليس ذلك فليس بثقة ولا نعمت عينه بهذا الشرف لكنني أصفه بذلك مجاراة لِما يظهر منه أمام الناس من الادعاء بأنه ثقة.

(2) (العوائق) : 149.

(3) كما عيبٌ على الإمام السخاوي إكثاره من الطعن على بعض العلماء والقات، وانظر كلام الإمام الشوكاني في (البدر الطالع) : 2/ 187، وعيب كذلك على ابن حزم الشيء نفسه، انظر (سير أعلام النبلاء) 18/ 184 وما بعدها.

(4) محمد بن أحمد بن عثمان، الحافظ شمس الدين، أبو عبد الله التركماني الذهبي محدّث العصر، وُلِد سنة 673، واعتنى بطلب الحديث وارتحل من أجله منذ كان عمره 18 سنة، وألف مصنفات جامعة نافعة، وتوفي سنة 748 بعد أن أضرَّ مدة يسيرة -رحمه الله -، انظر ترجمته في (طبقات الشافعية الكبرى) : 9/ 100 - 123، لكن ليُحذر من طعن السبكيّ في الطبقات على شيخه الذهبي فإنه لا يلتفت إليه، والله أعلم.

(5) المصدر السابق: 2/ 675.

(6) المصدر السابق: 2/ 958. والحديث في صحيح مسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: باب لا أحد أصبر على أذى من الله عز وجل.

(7) المصدر السابق: 3/ 1350.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت