ب/ صاحبٌ لي درس العلوم الشرعية منتسبًا، وهو أخ صالحٌ داعية - فيما احسبه، والله حسيبه - كنت قد ألححت عليه أن يخطب الناس أو يعظهم بموعظة، أو يقرأ لهم في كتاب لكنه يحجم كثيرًا ويخجل أن يتقدم، ويتهيب مع قوة وشجاعة فيه، وتكرّ عليه السنون وهو لم يستفد من علمه الذي تعلمه تمام الاستفادة بل لعله قد نسي أكثره.
وهناك أمثلة كثيرة لأصحاب المواهب المحجمين عن استغلال مواهبهم التي حباهم الله تعالى إياها ما منعهم منها إلا العجز.
ألم ترَ إلى نبي الله يوسف لمّا علم من نفسه موهبة حُسن الإدارة للأرزاق قال للملك {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [1] فلم يخجل ولم يتوارَ عليه السلام.
ألم يأتِك نبأ النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف قسّم الأعمال على أصحابه بحسب مواهبهم وقدراتهم فاستجابوا ولم يتمنعوا أو يخجلوا؛ فهذا خالد القائد الدائم - حتى عندما لو يُولَّ قائدًا في مؤتة بادر واستلم القيادة لمّا عرف من نفسه الكفاءة [2] - بورك له في جهاده لوصف النبي - صلى الله عليه وسلم - له بأنه سيف الله المسلول [3] ، وهذا زيد بن ثابت - رضي الله عنه - يتعلم اللغات الأجنبية [4] ، وأُبي بن كعب يبرع في القرآن حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم -"أقرؤكم أُبيّ" [5] ، ومعاذ بن جبل يبرع في الفقه حتى يوصف بأنه أعلم الصحابة بالحلال والحرام [6] ، وهكذا ....
ألم تعلم أن مصعبًا - رضي الله عنه - كان سفيرًا، وأبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - كانا وزيرين، وأن هناك كتبة وحي يُسرت لهم الكتابة ووهبت لهم.
ثم إنه على مدار التاريخ تقدم أصحاب المواهب ولم يحجموا فسُطرت سيرهم بأحرف من نور، ومات الخاملون المحجمون فلم يدرِ بهم أحد، ولم ينالوا من الأجر - أجر الإقدام على معالي الأمور - ما ناله المتصدرون لنفع الناس، والله أعلم.
رابعًا / تشوش الأوليات:
وهذا من أعظم مظاهر العجز الذي يلحق الثقة؛ الذي ظل يدور عامة حياته في حلقة مفرغة من الأعمال المفضولة لا يخرج منها إلى الأعمال الفاضلة إلا قليلًا.
وهذا التشوش - على أنه عجز - هو من أساليب إبليس الذي يلبّس بها على الخلق؛ إذ يزين لهم الشر، فإن عجز عنهم يزيّن لهم طريقًا للخير ذا حسناتٍ قليلة مفضولة حتى لا يسلكوا طريقًا فيه حسنات عظيمة.
وإن أرد أن تطّلع على صورة واضحة على التشوش في ترتيب الأولويات فانظر إلى بعض من يريد أن يبني بيتًا؛ فإنه يعمد إلى تسخير جميع قواه ومصالحة الحيوية ليصبها في بناء بيته، وتراه يؤخّر أمورًا لا تؤخَّر، بل تراه يُعرِض عن كثير من الواجبات بحجة أنه مشغول ببناء بيته، فيمكث على ذلك سنوات قد تطول فيعتاد أثناء تلك السنوات الطويلة الإخلاد إلى الأرض ونسيان المعاني العليّة، وقد يؤدي به ذلك إلى العجز الدائم الكلي، نسأل الله العافية.
(1) سورة يوسف آية 55.
(2) (البداية والنهاية) : 7/ 113، وق دتوفي - رضي الله عنه - بحمص وقيل بالمدينة، سنة 21.
(3) المصدر السابق.
(4) المصدر السابق: 8/ 29، وتوفي سنة 45 بالمدينة.
(5) المصدر السابق: 7/ 97، وقد توفي -رضي الله عنه - سنة 19 من الهجرة بالمدينة. والحديث أخرجه الترمذي في سننه: كتاب المناقب: باب مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأُبيّ وأُبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنهم -.
(6) المصدر السابق: 7/ 95، وقد توفي - رضي الله عنه - سنة 18 بطاعون عمواس بالشام.