وقد جهز جيش العُسرة جيش غزوة تبوك، وإنما سُمي بذلك لعُسرة نفقته ووقته؛ إذ كان في الحر الشديد، فأتى بأموال عظيمة هائلة جعلت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم" [1] .
وتوالت قوافل المنفقين تعطي وتبذل لدين الله تعالى مقتفية أثر عثمان وصحبه - رضي الله عنهم - مؤثِرة على نفسها ولو كان بها خصاصة.
هذا الذي ينبغي أن يكون عليه صاحب المال: مسارعةً إلى نصرة الله ورسوله ودينه بكل ما يملك، لا أن يعطي الفضول ثم يرغب بعد ذلك أن يكون كتجار السلف - رضي الله عنهم - الذين أقرضوا الله قرضًا عظيمًا، هيهات!!.
ولا يُظنّ أن كلامي قاصر على أصحاب الأموال العظيمة بل لا بد من مساهمة أفراد المجتمع الإسلامي عامة في الإنفاق، ورُبّ درهم سبق مئة ألف درهم، وكان الصحابي يأتي بتمر قليل يضحك منه المنافقون لكن الله تعالى خلّد ذكره في كتابه، وذم المنافقين وتوعدهم على سخريتهم عذابًا عظيمًا.
عن أبي مسعود - رضي الله عنه - قال:"لما أُمرنا بالصدقة - يعني في غزة تبوك - كنا نتحامل [2] فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه [3] ، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رئاء فنزلت {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} الآية [4] " [5] .
"كان عثمان بن عفان قد جهز عيرًا للشام: مئتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومئتا أوقية فتصدق بها ثم تصدق بمئة بهير بأحلاسها وأقتابها، ثم جاء بألف دينار فنثرها في حجره - صلى الله عليه وسلم - ثم تصدق وتصدق، حتى بلغ مقدار صدقته تسع مئة بعير ومئة فرس سوى النقود."
وجاء عبد الرحمن بن عوف بمئتي أوقية فضة، وجاء أبو بكر بماله كله، ولم يترك لأهله إلا الله ورسوله .. وجاء عمر بنصف ماله، وجاء العباس بمال كثير وجاء طلحة وسعد بن عبادة ومحمد بن سلمة، كلهم جاؤوا بمال، وجاء عصام بن عدي بتسعين وسقًا من التمر، وتتابع الناس بصدقاتهم قليلها وكثيرها، حتى كان منهم من أنفق مدًا أو مدّين لم يكن يستطيع غيرها، وبعثت النساء ما قدرن عليه من مسك ومعاضد وخلاخل وقرط وخواتم، ولم يمسك أحد يده، ولم يبخل بماله إلا المنافقون" [6] ."
وفي البلدان الإسلامية الفقيرة يتبرع أفراد من الناس بقروش قليلة لكن لها أثرًا عظيمًا في النفوس ويبارك الله فيها فإذا هي تقوم مقام الأموال الضخمة.
ثالثًا / المواهب غير المستغلة:
قسّم الله تبارك وتعالى القدرات والمواهب بين الناس، وخص بعض الناس بقدرات أكبر ومواهب أعظم وأشمل فإن وُفقوا لاستغلال تلك المواهب فهو الفوز الكبير، وإلا فقد خسروا وفشلوا.
وإليك - أخي - مثالين على مثل هذا التقصير في استغلال المواهب:
أ/ عرفت رجلًا صالحًا يتقد ذكاء، ويشتعل فطنة ونباهة، فقد وهب التفوق الذهني حقًا، وهو موظف مرموق، فأخذت أقنعة أن يبادر لاستغلال ذلك الذكاء النادر، ووضحت له بعض الطرق المناسبة له، وأشجعه مرارًا وتكرارًا لكنه - مع الأسف الشديد - لم يستجب وأصبحت حياته دائرة بين بيته وعمله لا يتجاوزهما إلا نادرًا.
وأنا موقن أنه لم يقعده إلا العجز المطلق غير المرتبط بظرف أو سبب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(1) المصدر السابق.
(2) أي يحمل بعضنا لبعض بالأجر. فتح الباري: 8/ 331.
(3) ذكر ابن حجر أن المقصود هو عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -. فتح الباري: 8/ 331.
(4) سورة التوبة آية 79.
(5) صحيح البخاري: كتاب التفسير: باب {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ}
(6) (الرحيق المختوم) : 512 - 513.