فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 50

الدعوة إلى الله تعالى تفتقر إلى المال كل الافتقار، خاصةً في حياتنا المعاصرة، إذ احتيجت الأموال في شتى مرافق الحياة.

وانظر إلى كلفة القمر الصناعي الذي يبث الفضيلة ويحارب ما يُبث من فجور وإلحاد، أو إلى مجمع متكامل في بلد إفريقي أو آسيوي فقير يكون ذلك المجمع نواة قوية في محاربة التنصير والهدم العقائدي والأخلاقي، أو حاجة طائفة مستذلة مستضعفة في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما تلمّ به شعثها وتصلح شأنها، أو مشاريع استثمارية صناعية وزراعية في بلدان فرض عليها المستعمر ذلًا وهوانًا عن طريق (البنك الدولي) تارةً، أو المساعدات المشروطة تارةً أخرى.

والناظر في بيئتنا القريبة يمكن أن يبصر أعمالًا عي في أمسّ الحاجة إلى المال كطباعة الكتب المهمة النافعة للعامة، ورعاية حلقات تحفيظ القرآن، وإمداد القرى والبوادي بما يُصلِح دينهم ويحفظ عليهم دنياهم، والإسهام في المراكز المدرسية التي تحفظ على الشباب دينهم وتنفعهم في دنياهم ... إلخ.

ولست بحاصر حاجة الدعوة إلى المال وصور تلك الحاجات مهما سطّرت من كلمات لكنها أمثلة فقط. والسؤال الملحّ: أين التاجر المسلم الذي يقرض اله تعالى بلا حساب، ولا مشارطة، ولا تردد، ولا ملل؟ وهو موجود لكنه قليل يكاد يصل حدّ الندرة، والأكثر إنما يتردد في شهواته، ويرتاض في مزعوم جناته، وإن أعطى فهو يعطي القليل الذي لا يشفي العليل ولا يروي الغليل.

وهناك فئة من صالحي التجار إن حُدّثوا عن صور الإنفاق السابقة الذكر أعرضوا عنها ورغبوا في صور أخرى للإنفاق مرجوحة مثل إقامة الجوامع الكبار في بلدهم المليء بالجوامع - والحمد لله - فهو يكاد يكون غير محتاج إلى زيادة منها خاصةً في المدن الكبرى، أو أنه يرغب في توزيع المال على من يظن أنهم بهم فاقة ويعرض عن آخرين في محنة عظيمة، فالأولويات عنده مشوشة غير مرتبة ولا واضحة.

ولقد كان في السلف تجار عظام لكنهم عرفوا كيف يعاملون الله تعالى ويقرضونه، وينصرون الله تعالى ودينه بأموالهم، وهذا مثال من أولئك التجار الصالحين حقًا ألا وهو عثمان - رضي الله عنه - فقد أنفق في سبيل الله تبارك وتعالى أموالًا عظيمة جعلت النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجب منها، ويثني على عثمان غاية الثناء، وإنفاقه معلوم لكني سأورد صورًا منه مذكرًا بحاله - رضي الله عنه -.

لما حُصر عثمان - رضي الله عنه - من قِبَلِ الخارجين عليه قال لهم:"أنشدكم الله: ألا تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة وليس فيها ماء عذب غير بئر رومة فقال:"من يشتريها فيكون دلوه كدلاء المسلمين، وله في الجنة خير منها؟"فاشتريتها، وأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من الماء المالح؟ قالوا: اللهم نعم. فقال: أنشدكم الله والإسلام: هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من يشتري بقعة بخير له منها في الجنة فاشتريتها وزدتها في المسجد وأنتم تمنعوني اليوم أن أصلي فيها؟ قالوا: اللهم نعم [1] .

وقصة شرائه بئر رومة تدل على مروءة وفضل منه - رضي الله عنه -؛ إذ لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع القربة منها بمُد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"تبيعها بعين في الجنة"، فقال: ليس لي يا رسول الله عين غيرها، لا أستطيع ذلك.

فبلغ ذلك عثمان فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أتجعل لي مثل الذي جعلت له عينًا في الجنة إن اشتريتها؟ قال: نعم، قال: قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين [2] .

وقال أبو هريرة - رضي الله عنه:"اشترى عثمان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجنة مرتين: يوم رومة ويوم جيش العُسرة" [3] .

وقال عثمان - رضي الله عنه:"ولا مرت بي جمعة منذ أسلمت إلا وأنا أعتق فيها رقبة إلا أن لا يكون عندي فأعتقها بعد ذلك" [4] .

(1) (نزهة الفضلاء) : 1/ 86 أ، و (البذاية والنهاية) 7/ 178.

(2) (نزهة الفضلاء) : 1/ 72 أ.

(3) المصدر السابق.

(4) المصدر السابق: 1/ 71 أ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت