مظاهر العجز
إن مظاهر العجز تختلف في طبيعتها وحدتها من عاجزٍ لآخَر، وسأورد عددًا منها يتضح بها المراد إن شاء الله تعالى:
أولًا / ترك الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
في المجتمع فئات عظيمة من الصالحين الذين يرجون الله تعالى والدار الآخرة ولعلهم يأتون بنوافلَ كثيرة من صلاةٍ وصيام لكنهم غير عاملين بهذا الصلاح للتمكين لدين الله تعالى في الأرض فنجدهم قد انكفؤوا على أنفسهم واعتزلوا بيوتهم فلا يدعون أحدًا ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر إلا نادرًا، وتراهم يذهبون إلى أعمالهم بجد ونشاط لكن لا يحركون ساكنًا مع زميل عمل ضلَّ ولا صالحٍ ملَّ، والناس متعطشون لمواعظهم ونصحهم ودعوتهم لكنهم لا يفعلون.
ولو كانوا في كل أحوالهم كذلك لالتُمست لهم الأعذار؛ لكنهم متثاقلون عند الدعوة إلى دين الله تعالى، تشطون في ميادين تحصيل الدرهم والدينار، قد قطعوا عامة نهارهم وطائفة كبيرة من ليلهم في تحصيل الدنيا والميل إلى ملذاتها وشهواتها، وانصرفوا عن المعاني العلية.
وتجد آخرين ليسوا من همِّ جمع المال في شيء لكنهم منصرفون إلى التميز في أعمالهم، والاجتهاد في تخصصاتهم، حاصرين أنفسهم في ذلك، وقد يكون عملهم هذا نافعًا للإسلام لكنه نفع محدود مرجوح بغيره من المنافع العظيمة التي يمكن أن تحقق على يد تلك الفئة لو صرفت - إضافة إلى تميزها في تخصصها - جهدها في سلوك السبيل القويم الذي يعود على الإسلام والمسلمين بأعظم النتائج.
والناظر في سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يجد غير ذلك، فقد كانت حياته دعوة إلى الله تعالى وقد سخّر كل جوانبها لله تعالى ولنصرة الدين، وحرّض أصحابه وعلمهم أن المسلم لا بد أن يكون مشاركًا بقوة في تسيير الحياة وإدارة شؤونها.
وسأورد لك - يا أخي - ما يشبه الفهرست لحياة النبي - صلى الله عليه وسلم - لتعلم كيف دعا إلى الله تعالى وصبر على الإيذاء وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وجاهد، فكانت حياته كلها مثالًا لما يجب أن يكون عليه المسلم الثقة العامل:
1 -تعبده - صلى الله عليه وسلم - في غار حراء الليالي الطوال قبل البعثة.
2 -نزول القرآن وما كان يقاسيه حال نزول عليه - صلى الله عليه وسلم -.
3 -فترة الوحي وتأذيه بذلك - صلى الله عليه وسلم -.
4 -دعوته خديجة وعليًا وأبا بكر ومن بعدهم - رضي الله عنهم - إلى الإسلام.
5 -تخفيه بالدعوة - صلى الله عليه وسلم - قرابة ثلاث سنين.
6 -صدعه بالدعوة - صلى الله عليه وسلم - وما لاقاه من جراء ذلك من قِبَلِ قومه وصعوبة ذلك على نفسه الشريفة - صلى الله عليه وسلم -.
7 -ما لاقاه الصحابة - رضي الله عنهم - من الإيذاء والتعذيب وصعوبة ذلك على نفسه الشريفة - صلى الله عليه وسلم -.
8 -ما لاقاه - صلى الله عليه وسلم - من الاستهزاء والتكذيب والرمي بالتهم الكثيرة، بل تعدى ذلك إلى الاعتداء الجسديّ.
9 -إغراء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمال والنساء.
10 -محاصرة المشركين للنبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة في شِعب أبي طالب، وتجويعهم ومقاطعتهم.
11 -تعنّت المشركين وكثرة أسئلتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه التعجيز.
12 -وفاة أبي طالب وخديجة - رضي الله عنها - وأثر ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم -.