فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 50

فدونك فاختر أي قصرٍ تريده ... وزرني فإني منك غير بعيدِ [1]

5 -وكان شعبة بن الحجاج [2] ومسعر بن كدام [3] حافظين وكان جليلين فقال أبو أحمد البريدي [4] :

فرأيتهما بعد موتهما فقلت: أبا بسطام [5] ما فعل الله بك؟ فقال: وفقك الله لحفظ ما أقول:

حباني إلهي في الجنان بقبة ... لها ألف باب مِن لجين وجوهرا

وقال لي الرحمن يا شعبة الذي ... تبحر في جميع العلوم فأكثرا

تنعم بقربي إنني عنك ذو رضا ... وعن عبدي القوام في الليل مسعرا

كفا مسعرًا عنًّا بأن سيزورني ... وأكشف عن وجهي الكريم لينظرا

وهذا فعالي بالذين تنسكوا ... ولم يألفوا في سالف الدهر منكرا [6]

6 -وقال بعض أصحاب ابن جريج [7]

رأيت كأني جئت إلى هذه المقبرة التي بمكة فرأيت على عامتها سرادقًا [8] ، ورأيت منها قبرًا عليه سرادق، وفسطاط [9] وسدرة [10] فجئت حتى دخلت فسلمت عليه، فإذا مسلم بن خالد الزنجي [11] ، فسلمت عليه وقلت: يا أبا خالد ما بال هذه القبور عليها سرادق وقبرك عليه سرادق وفسطاط وفيه سدرة؟ فقال: إني كنت كثير الصيام. فقلت: فأين قبر ابن جريج وأين محله؟ فقد كنت أجالسه، وأنا أحب أن أسلم عليه. فقال هكذا بيده: هيهات، وأدار إصبعه السبابة، وأين جريج، رفعت صحيفته في عليين [12] .

وهذه المنامات لا يُقطع بها على الدرجات والتفاوت بين من ذُكروا لكن يُستأنس بها ويُرغب في سماعها لما تبثه من حماس إيمانيّ.

إذن كل ما أوردته من آيات وأحاديث وما سقته من رؤى - يُستأنس - بها دال على تفاوت في النعيم المقيم، وهذا هو الذي حدا بالعباد والزهاد والمجاهدين إلى استفراغ الوسع في طاعة الله تعالى والتنافس في ذلك تنافسًا عظيمًا.

هذا الحارث بن هشام - رضي الله عنه - أسلم يوم الفتح وحسُن إسلامه، ثم إنه خرج للجهاد في الشام بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"فجزع أهل مكة وخرجوا يشيعونه فوقف ووقفوا خلفه يبكون، فقال: والله ما خرجت رغبة بنفسي عنكم، ولا اختيار بلد غير بلدكم، ولكن هذا الأمر [13] كان فخرجت فيه رجال من قريش ما كانوا من ذوي أسنانها ولا في بيوتها، وأصبحنا - والله - لو أن جبال مكة ذهبًا فأنفقناها في سبيل الله ما أدركنا يومًا من أيامها، فنلتمس أن نشاركهم في الآخرة، فاتقى الله امرؤ، فتوجه غازيًا إلى الشام، واتّبعه ثَقَله [14] ، فأصيب شهيدًا - رضي الله عنه -".

وكان الإمام ابن عون [15] عابدًا زاهدًا، وكان أحد أصحابه يقول:"إني لأعرف رجلًا منذ عشرين سنة يتمنى أن يسلم له يومًا من أيام ابن عون فما يقدر عليه" [16] .

وكان الإمام سفيان الثوري [17] يقول:"إني لأشتهي من عمري كله أن أكون سنة مثل ابن المبارك [18] فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام" [19] .

هذا يقوله سفيان وهو نفسه كان عجبًا في الزهد والعبادة، بل قال أحد السلف:"سفيان في زمانه كأبي بكر وعمر في زمانهما"، وقال آخر:"إني لأحسب أنه يُجاء غدًا بسفيان حجة من الله تعالى على خلقه، يقول لهم: لم تدركوا نبيكم قد رأيتم سفيان" [20] ، فكيف يكون عبد الله بن المبارك إذن رضي الله عنهما ورحمهما.

فعلى هذا فينبغي لثقات عصرنا أن يسعوا بكل ما أوتوا من قوة وأعطوا من حظوظ ومواهبَ إلى تلك الدرجات العاليات، وترك السعي إليها مظهر من مظاهر العجز العظيم ولا شك؛ فالمرء في هذه الدار لا يرضى أن يسبقه قرنه بمرتبة ولا بمال، ويحزن إن رأى أمثاله في العمر والمواهب يتجاوزونه في أي باب من أبواب الدنيا، أفيرضى أن يسبقه أقرانه إلى الجنة والدرجات العالية وهو قابع عاجز عن أن يسير في ركابهم ويتشبه بهم؟!.

لكن الدنيا زُخرفت وأظهر زخرفها، والآخرة غاب جمالها عن ناظرها، فسعى الموفقون إلى عِظَم الغائب، وبقي المحرومون في زخرف الحاضر الذاهب.

ثالثًا / ترك العمل واستمراء العجز قد يؤدي إلى الانسلاخ من الثبات، والعياذ بالله:

وذلك لأن العاجز إن استمرأ عجزه وزُيَّن له حاله وما هو عليه من الراحة وترك المعالي والسعي إليها قد ينسى المعاني العلية وتمحى من ذاكرته بعد أن فقدتها أعضاؤه وجوارحه، وقد يرغب في حال الجاهلين الضالين فيأنس إليهم ويهش لهم ويبادر إلى المكث معهم والتأسي بشمائلهم فينسلخ من الالتزام ويفقد ثباته، ويأوي لكن إلى ركن غير شديد، ويرتكز لكن إلى باطل منهزم رعديد، فيالله كم فاته من خير ولحقه من شر وكم فارق من خِلٍّ تقي وأَنِس بشيطان غويّ.

وهذا ليس من باب المبالغة بل هي حقيقة كائنة في دنيا الناس؛ أعرف رجلًا كان تقيًا ثقة لكنه عاجز لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلًا، ثم إنه أخذ في الارتكاس حتى أصبحت حاله مثل حال الفجار، بل إنه قد ترك الصلاة كليّة، والعياذ بالله.

وأعرف آخرًا كان ثقة عاملًا لكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه وماله وتجارته فعجز وتراجع ثم تراجع أكثر فأكثر حتى صار من أبناء الدنيا الفانين في هواها، العاملين لمرضاتها، حتى إنك إن رأيته لم تعد ترى فيه ذلك التميز الذي كان يفارق به سائر أبناء الدنيا بل أصبح كسائر الضعاف.

وهذا الانسلاخ من الثبات الذي يعقب العجز نتيجة شبه محتومة تلازم العاجز، وذلك لأنه أصبح فارغًا لا همَّ لديه ولا عمل يشغله، ولا فكر يملأ عليه حياته، والفراغ آفة عظيمة فإن أضيف إليها المال والشباب كان ذلك أدعى لفساد قلب المرء وانسلاخه من ثيابه:

إن الشباب والفراغ والجِدَة [21] ... مفسدة للمرء أيُّ مفسدة [22]

(1) (الروح) : 41.

(2) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي بالولاء، أبو سطام الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ متقن، كان أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة، وكان عابدًا، مات سنة 160. انظر (التقريب) : 266.

(3) مسعر بن كدام بن ظهير الهلالي، أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل، مات سنة 153. المصدر السابق: 528.

(4) لم أعثر له على ترجمة.

(5) هذه كنية شعبة.

(6) (الروح) : 42.

(7) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي بالولاء، المكي، ثقة فقيه فاضل، مات سنة 150 وقد جاوز السبعين. انظر (التقريب) : 363.

(8) قال محقق الكتاب: السرادق كل ما حاط بالشيء من حائط أو مضرب.

(9) قال محقق الكتاب: الفسطاط بيت من شعر، أو مكان يجتمع فيه الناس لعرس أو مأتم أو غيرهما.

(10) قال محقق الكتاب: السدرة: شجرة النبق.

(11) مسلم بن خالد المخزومي بالولاء المكي، المعروف بِـ (الزَّنجي) ، فقيه، صدوق، مات سنة 179. انظر (التقريب) : 529.

(12) (الروح) : 44.

(13) أي الإسلام.

(14) أي أهله ومتعلقاته.

(15) عبد الله بن أرطبان، الإمام القدوة، عالم البصرة، المزني بالولاء، البصري الحافظ، مات سنة 151 وقد عاش خمسًا وثمانين سنة، انظر أخباره في (سير أعلام النبلاء) : 6/ 364 - 375.

(16) (نزهة الفضلاء) : 1/ 544.

(17) سبقت ترجمته.

(18) عبد الله بن المبارك الحنظلي بالولاء التركي، شيخ الإسلام، الإمام العالم العامل الغازي، ولد سنة 118، وتوفي سنة 181، رحمه الله تعالى. انظر أخباره في (سيرة أعلام النبلاء) : 8/ 378 - 421.

(19) (نزهة الفضلاء) : 3/ 655.

(20) المصدر السابق: 1/ 583.

(21) أي السعة والمال.

(22) انظر كتاب (من أخبار المنتكسين) لصالح العصيمي، و (الثبات) لواضع هذه الرسالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت