أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل جبريل بهذه الآية {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [1] .
وانظر - أخي القارئ - إلى طائفة من الرؤى الحسنة بقلبك قبل بصرك لتعلم كيف يُجازى الصالحون العاملون المثابرون درجات أعظم من درجات غيرهم:
1 -قال صالح البراد [2] :
رأيت زرارة بن أوفى [3] بعد موته فقلت: رحمك الله ماذا قيل لك وماذا قلت؟ فأعرض عني. قلت: فماذا صنع الله بك؟ قال: تفضل عليّ بجوده وكرمه. قلت: فأبو العلاء بن يزيد أخو مطرف [4] ؟ قال: ذاك في الدرجات العلى. قلت: فأي الأعمال أبلغ فيما عنكم؟ قال: التوكل وقصر الأمل [5] .
2 -ولما مات محمد بن سيرين [6] حزن عليه بعض أصحابه حزنًا شديدًا فرآه في المنام في حال حسنة، فقال: يا أخي قد أراك في حال يسرني فما صنع الحسن؟ [7] قال: رُفع فوقي بسبعين درجة. قلت: ولِمَ ذلك وقد كنا نرى أنك أفضل منه؟ قال: ذاك بطول حزنه [8] .
3 -ولما ماتت رابعة [9] رأتها امرأة من أصحابها وعليها حلة إستبرق وخمار من سندس وكانت كفنت في جبة وخمار من صوف، فقالت لها: ما فعلت الجبة التي كفنتك فيها وخمار الصوف؟ قالت: والله إنه نُزِع عني وأُبدلت به هذا الذي ترين عليَّ وطويت أكفاني وخُتم عليها ورُفعتْ في عليين ليكمل لي ثوابها يوم القيامة. قالت: فقلت لها: لهذا كنت تعملين أيام الدنيا. فقالت: وما هذا عندما رأيت من كرامة الله لأوليائه! فقالت لها: فما فعلت عبدة بنت أبي كلاب [10] ؟ فقالت: هيهات هيهات، سبقتنا والله إلى الدرجات العلى. قالت: قلت: وبِمَ وقد كنت عند الناس أعبد منها؟ فقالت: إنها لم تكن تبالي على أي حال أصبحت من الدنيا أو أمست. فقلت: فما فعل أبو مالك؟ تعني ضيغمًا [11] . فقالت: يزور الله تبارك وتعالى متى شاء. قالت: قلت: فما فعل بِشر بن منصور [12] ؟ فقالت: بخ بخ [13] ، أعطي والله فوق ما كان يأمل. قالت: قلت: مريني بأمر أتقرب به إلى الله تعالى. قالت: عليك بكثرة ذكر الله فيوشك أن تغتبطي بذلك في قبرك [14] .
4 -وقال قبيصة بن عقبة [15] : رأيت سفيان الثوري [16] في المنام بعد موته فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال:
نظرت إلى ربي عيانًا فقال لي ... هنيئًا رضائي عنك يا ابن سعيدِ
فقد كنتَ قوامًا إذا الليل قد دجا ... بعبرة محزون وقلب عميدِ [17]
(1) سورة النساء: آية 69. والحديث أورده ابن القيم في حادي الأرواح: 77، وقال: قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: لا أعلم بإسناد هذا الحديث بأسًا، وقد أخرجه الحافظ أبو نعيم.
(2) لم أعثر له على ترجمة.
(3) زرارة بن أوفى العامري الحَرَشي، أبو حاجب، قاضي البصرة، ثقة عابد، مات في الصلاة سنة 93، انظر (التقريب) : 215.
(4) هو أبو العلاء يزيد وليس ابن يزيد، بن عبد الله بن الشخير، أحد العباد الزهاد، توفي سنة 111، انظر أخباره في (صفة الصفوة) : 3/ 232 - 233
(5) (الروح) 36.
(6) محمد بن سيرين الأنصاري بالولاء، أبو بكر البصري. ثقة ثبت عابد كبير القدر، مات سنة 110، وانظر (التقريب) : 483.
(7) الحسن بن يسار البصري الأنصاري بالولاء، ثقة فقيه، فاضل مشهور، مات سنة 110 وقد قارب التسعين. المصدر السابق: 160.
(8) (الروح) : 37.
(9) هي رابعة العدوية العابدة المشهورة. انظر أخبارها في (صفة الصفوة) : 4/ 27 - 31.
(10) في (صفوة الصفوة) : 4/ 34 عبيدة بنت أبي كلاب، وقد كانت من العابدات الزاهدات، انظر ترجمتها هناك.
(11) أبو مالك العابد، كان ورده كل يوم أربع مئة ركعة. انظر ترجمته في (صفوة الصفوة) : 3/ 357 - 360.
(12) بِشر بن منصور السليمي، أبو محمد الأزدي البصري، صدوق، عابد زاهد، مات سنة 180. انظر (التقريب) : 124.
(13) كلمة تقال عند الاستحسان.
(14) (الروح) : 38.
(15) قبيصة بن عقبة بن محمد السوائي، أبو عامر الكوفي، صدوق، مات سنة 115. انظر (التقريب) : 453.
(16) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، أبو عبد الله، ثقة حافظ، فقيه عابد، إمام حجة، مات سنة 161 وله أربع وستون سنة. انظر (التقريب) : 244.
(17) أي القلب المُوجَع: انظر (لسان العرب) : ع م د.