أرأيت - أخي القارئ - كيف يستفيد الصالحون من زمانهم بل يسابقونه مسابقة، وما ذاك إلا لأنهم عرفوا قيمة الزمان وقصره فاستفادوا منه أحسن استفادة.
وقد اكتفيت ببعض سيرة الإمام النووي مثالًا لِما أردت إيراده، وفي السلف عشرات من أصحاب الهمم أمثاله رحمهم الله جميعًا.
وأورِد مثالًا قريبًا منا، وهو الشيخ البشير الإبراهيمي الجزائري، فقد عكف منذ بلغ السابعة على القرآن فحفظه، ثم حفظ كثيرًا من المتون في الأصول والحديث واللغة والبلاغة ودواوين الشعر، وتصدر للأستاذية منذ بلوغه الرابعة عشرة من عمره، وارتحل إلى مصر والحجاز وبلاد الشام واغترف من بحور علمائها خاصةً في المدينة المنورة حيث وضع دعائم جمعية علماء المسلمين الجزائريين هو والشيخ ابن باديس وكان ذلك سنة 1913، ثم لم تنشأ إلا في سنة 1931 لتكون شوكة في حلوق الفرنسيين، وكان قد تصدّر للتدريس في وهران إحدى مدن الجزائر الكبيرة حيث كان يلقي عشرة دروس في اليوم الواحد من صلاة الفجر إلى العشاء ثم ينقلب إلى بعض النوادي الجامعة بعد صلاة العشاء ليلقي محاضرات في التاريخ الإسلامي، وبنى بهمته أربع مئة مدرسة إسلامية ومئتي مسجد للصلوات والمحاضرات مما أفزع المستعمر ونفاه على الصحراء، ثم عاد من منفاه ليرأس جمعية العلماء بعد وفاة ابن باديس، فحمل المهمة الضخمة وواصل الليل بالنهار دون نوم في أحيان متعددة، وبعث الهمة في أبناء الجزائر، وبنى المعاهد والمدارس التي كانت تقدم جنود الاستقلال بعد ذلك، ورأى ثمرة جهاده استقلالًا للجزائر سنة 1962 ليحلق بربه رضيًا سعيدًا سنة 1965 رحمه الله تعالى [1] .
نعم قد يقال إن الإسلام دين شامل؛ فالعمل عبادة، والنوم بنية صالحة عبادة، وهذا صحيح لكني أردت في هذا الفقرة بيان قصر الزمان، وقلة المتبقي منه - بعد قضاء الحاجات الإنسانية - من عمل ونوم - للتنافس على الدرجات العالية، وذلك لأن النية الصالحة قد يشترك فيها أكثر الناس، لكن الاستفادة الحقة من الأوقات قد يغفل عنها أكثر الثقات، والله المستعان.
ثانيًا / عظم تفاوت الدرجات في الجنة:
إن الله تبارك وتعالى قد وعد الطائعين جنات النعيم وأدخلهم فيها بمحض رحمة منه وفضل، لا باستحقاق من العبيد - كما هو معلوم -.
لكن اقتضى العدل الإلهي ألا يستوي من بذل جهده واستفرغ وِسعه في طاعة ربه والعمل على إعلاء دينه مع من قصّر في ذلك، ولا يستوي من كان قد بذل جهدًا ومالًا عظيمين مع من بذل جهدًا ومالًا أقل، وهكذا، فلما اقتضى العدل الإلهي التفاوت أنشأ الله تبارك وتعالى لعباده جنات مختلفة الدرجات متفاوتة المنازل تفاوتًا عظيمًا، وحض عباده على طلب الدرجات العالية، فقال جل من قال: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) } [2] .
وقال جل من قائل: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَاسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَاثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26) } [3] .
ثم وصف مراتب من هم أقل منهم.
وكذلك فعل سبحانه في سورة الرحمن وفي غيرها من السور داعيًا عباده إلى التنافس في تلك الدرجات العاليات.
وحسبنا أن نعرف أن الله تبارك وتعالى بين أن الصحابة العظام لم يستووا وهم سابقون مقدمون كلهم، فكيف حالنا نحن، قال تعالى {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [4] .
وقد أخبر رسوله - صلى الله عليه وسلم - في طائفة من أحاديثه الشريفة بعظم المراتب العالية ودعا العباد إليها وحثهم عليها وبيّن لهم عظم فوز نائلها، فقال - صلى الله عليه وسلم: [إن في الجنة غرفًا تُرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ فقال: لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام] [5] .
وقال - صلى الله عليه وسلم: [إن في الجنة مئة درجة أعدها الله تعالى للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة ... وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة] [6] .
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن أمَّ الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بن سراقة، أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا نبي الله: ألا تحدثني عن حارثة - وكان قُتل يوم بدر، أصابه سهم غرْب [7] - فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان في غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى] [8] .
وقال - صلى الله عليه وسلم: [أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر ... والذين كأشد كوكب إضاءة] [9]
وقال - صلى الله عليه وسلم: [إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في أفق السماء من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين] [10] .
وقال - صلى الله عليه وسلم - واصفًا تفاوت المراتب في الجنة: [جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ... ] [11] .
وقد كان الصحابة يعرفون اختلاف الدرجات؛ لذلك قالت عائشة - رضي الله عنها: [جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، والله إنك لأحب إليَّ من نفسي وإنك لأحب إليَّ من أهلي وأحب إليِّ من ولدي وإني لكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت
(1) (النهضة الإسلامية) : 1/ 251 - 268 بتصرف كثير.
(2) سورة المطففين: آية 22 - 26.
(3) سورة الواقعة: آية 10 - 26.
(4) سورة الحديد.
(5) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب البر والصلة: باب ما جاء في قول المعروف، وقد أخرجه أيضًا الإمام أحمد في مسنده بطرق يقوي بعضها بعضًا، فالحديث حسن إن شاء الله تعالى. انظر (مجمع الزوائد) : 10/ 422 - 423.
(6) صحيح البخاري: كتاب الجهاد: باب درجات المجاهدين في سبيل الله.
(7) أي لا يُعرف راميه.
(8) صحيح البخاري: كتاب الجهاد: باب من أتاه سهم غرب فقتله.
(9) صحيح البخاري: كتاب بدء الخلق: باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة.
(10) المصدر السابق.
(11) صحيح البخاري: كتاب التفسير: باب قوله تعالى {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ}