فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 50

وهذا مشاهد ملحوظ، فلنفرض جدلًا أن رجلًا صالحًا من الناس سيعيش ستين سنة في هذه الدار، إذن لا يتبقى من عمره إلا أربعون، وهذه الأربعون تمضي كالتالي، وهو الغالب، ولكل ما ذكرته أو سأذكره في هذه الفقرة استثناءات لا تشوش على الأصل:

أولًا: يمضي ثلثها في النوم، وهذا ديدن أكثر الناس وهناك أناس ينامون اثنتي عشرة ساعة في اليوم - والعياذ بالله - أي نصف حياتهم، وهناك من ينام أقل من ثمان ساعات وهذا قليل.

ومعنى هذا أنه قد نقص من الأربعين ثلاثة عشر عامًا ونيف.

ثانيًا: يمضي ثلثها في العمل، وهذا للمعتدل أيضًا؛ إذ بعض الناس يعملون عملين أو أكثر، وعلى هذا - أي عَمَلُ ثلث الوقت - ينقص من الأربعين ثلاثة عشر أخرى ونيفًا.

ثالثًا: وعلى هذا التفصيل السابق يتبقى للإنسان الذي يعيش ستين عامًا ثلاثة عشر عامًا تقريبًا فقط يقضي فيها فرائضه الدينية وشؤونه الدنيوية مِن زواج ورعاية أولاد وزيارة أقارب وأصدقاء، وطعام وشراب، وذهاب إلى أماكن التنزه والأسواق .... إلخ.

فكم يتبقى له للتنافس مع المتنافسين في شؤون الآخرة والتسابق إلى نعيمها؟

لهذا كان السلف يقللون ساعات النوم والعمل وقضاء الحاجات حتى يتوفر لهم وقت أكبر بكثير مما ذكرته، والله أعلم.

وسيرة الإمام النووي [1] - رحمه الله تعالى - سيرة عطرة عظيمة تصلح للتمثيل على حال سلفنا في استغلال الزمان في الأعمال الصالحة وعلى تقليلهم الطعام والشراب والعمل والنوم حتى يتبقى لهم أوقات عظيمة يستثمرونها في طاعة الله تعالى.

لما انتقل إلى رحمة الله تعالى من بلدته نَوَى إلى دمشق اجتهد في مسابقة الزمان، حيث ظل سنتين كاملتين لم يضع جنبه على الأرض بل ينام متكئًا على كتبه [2] ، ولم يزل يشتغل بالعلم ويتعبد العبادة العظيمة من صلاة ليل وصيام دهر مع الزهد والورع بل التزام دقائق الورع، وعدم إضاعة شيء من الأوقات، فقد كان يدرُس كل يوم اثني عشر درسًا على مشايخه، وضُرِب به المثل في انكبابه على طلب العلم ليلًا ونهارًا، وهجوم النوم إلا من غلبة، وضبط أوقاته.

وكان يقول:"إذا غلبني النوم استندت إلى الكتب لحظةً وأنتبه" [3] .

وقد قدّم له رجل من أصحابه خيارة مقشرة فامتنع من أكلها وقال:"أخشى أن ترطب جسمي فأنام" [4] .

"وكان لا يأكل في اليوم والليلة سوى أكلة واحدة بعد عشاء الآخرة، ولا يشرب إلا شربة واحدة عن السَّحَر" [5] .

"وكان يأكل من خبز يبعثه له أبوه من نوى يخبزونه له ويسيّرون له ما يكفيه جمعةً فيأكله، ولا يأكل معه سوى لون واحد، إما دبس وإما خل وإما زيت، وأما اللحم ففي كل شهر مرة، ولا يكاد يجمع بين لونين مِن إدام أبدًا" [6] .

وبالجملة فقد كان عديم"الرفاهية والتنعم، مع التقوى والقناعة والورع الثخين، والمراقبة لله في السر والعلانية، وترك رعونات النفس ... قليل الضحك، عديم اللعب، بل هو جَدٌّ صرْف، يقول الحق وإن كان مرًا، لا يخاف في الله لومة لائم" [7] .

(1) يحيى بن شرف بن مري، مفتي الأمة، شيخ الإسلام، محيي الدين أبو زكريا النووي، الحافظ الفقيه الشافعي، أحد الأعلام، ولد سنة 631 بِـ (نوى) إحدى قرى حوران شمال الشام، وقدم إلى دمشق فاجتهد في الاشتغال بالعلم، وصنّف مصنفات نفع الله بها المسلمين واشتهرت وجُلبت إلى الأمصار، توفي بِـ (نوى) سنة 676 عن 45 سنة فقط رحمه الله تعالى، انظر (فوات الوفيات) : 4/ 264 - 268، (الأعلام) : 8/ 149 - 150.

(2) (المنهل العذب الروي) : 39.

(3) المصدر السابق: 115.

(4) المصدر السابق: 120.

(5) المصدر السابق: 121.

(6) المصدر السابق.

(7) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت