فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 50

وقال ابن حجر [1] : - رحمه الله - في فتح الباري"ذكر له أربع صفات مقتضية خصوصيته بذلك: كونه شابًا فيكون أنشط لما يُطلب منه وكونه عاقلًا فيكون أوعى له وكون لا يُتهم فتركن النفس إليه وكونه كان يكتب الوحي فيكون أكثر ممارسةً له. وهذه الصفات قد اجتمعت له قد توجد في غيره لكم مفرقة".

وكما أن التوثيق عند المحدثين درجات فالتوثيق - اليوم - له درجات أيضًا؛ فمن الناس من هو ثقة ثقة، أو جبل أو ركن الإسلام، ومن الناس من هو ثقة فقط، ومن الناس من تدنى ليكون صدوقًا مقبولًا، ومنهم من ليس في درجات التزكية والتوثيق في قليل أو كثير.

وقد تختلف أنظار الناس في تقويم الرجال وتوثيقهم والصواب في هذه المسألة:

أن من غلبت حسناته وبرزت كمالاته وغابت خطيئاته ولم يُعرف بأنه داعية إلى بدعة كبيرة أو مذهب ضال فهو الثقة إن شاء الله تعالى، ومن اختلف فيه من الناس فيُنظر لحاله بمنظار الإنصاف لا منظار الغلو والتجريح والتشفي وغلبة الهوى، فإذا كان له من الصفات والحسنات ما يؤهله للحاق بالثقات فهو حسن، وإلا فليصلح من حاله وليتب إلى الله تعالى حتى يلتحق بهم.

قال سعيد بن المسيب [2] - رحمه الله:"ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله" [3] .

وقال ابن القيم الجوزية - رحمه الله:"ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدر صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتبع فيها، ولا يجوز أن تُهدَر مكانته وإمامته ومنزلته في قلوب المسلمين" [4] .

وقد يقال: إن الضابط المذكور مقارب لما اشترطته المحدّثون في التوثيق، ونحن لا نحتاج اليوم إلى ضابط مثله، بل يُحسَن أن يخفف من الشروط المذكورة، وأقول:

إن الدعوة إلى الله تعالى - اليوم - تناطح مذاهب فاسدة وعقائد بالية وهجمة نصرانية ماكرة وتخطيطًا يهوديًا دقيقًا فإن لم يتصدَّ لذلك كله ثقات مأمونون، قد رُبّوا تربية سليمة على منهج السلف الصالح فإن مسيرة الدعوة قد تتعطل أو تختل، لكن يمكن أن يكون من لم يَحُز تلك الشروط أو بعضها نصيرًا للإسلام محبًا له عاملًا على التمكين له تحت قيادة ونظر وبصر أولئك الثقات المذكورين آنفًا.

"إن سَمْت التشدد وطلب الصفات المتكاملة إنما يجب للقادة والمربين وأما ما دون ذلك فإن العمل الإسلامي ينتفع من كل إمكانية خير مهما ضمرت وصغرت، ويدير في فلكه كل متعاطف مهما أثقلته العيوب التي لا تعود بضرر على مجمل الدعاة" [5] .

وينبغي أن يُعلم أن الضعف غالب في الناس اليوم، والثقات قلائل نسبيًا، وذلك كما هو في كل زمان ومكان؛ إذ الضعفاء والمتروكون هم الفئة الكبيرة، والثقات - وإن جلوا وعظموا وكثروا - هم الفئة الأقل، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: [تجدون الناس كإبل مئة لا يجد الرجل فيها راحلة] [6]

لكن هؤلاء الثقات الرواحل هم الذين عليهم حماية الدين، وقوة الإسلام اليوم، وإليهم يوجه الكلام، وعليهم يعتمد في المهمات والملمات، فإن عجزوا أو تراجعوا فمن يُرجى لنصرة الدين ومَن يُرغب إليه ويفزع في المهمات بعد الله عز وجل، فلذلك كان هذا البحث موجهًا إليهم مخاطبًا لهم، باحثًا عن

(1) أحمد بن علي بن محمد، الإمام الحافظ، صاحب التصانيف النافعة، أصله من عسقلان، وولد وعاش في مصر وتوفي بها سنة 852، رحمه الله تعالى. انظر ترجمته في (الضوء اللامع) : 2/ 36 - 40.

(2) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين. انظر (الترقيب) : 241

(3) (منهج أهل السنة والجماعة في تقويم الرجال ومؤلفاتهم) : 30.

(4) المصدر السابق: 33.

(5) (العوائق) 141 - 140

(6) صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة: باب الناس كإبل مئة لا يجد الرجل فيها راحلة: 16/ 79. وقال ابن قتيبة: الراحلة: النجية المختارة من الإبل وغيره فهي كاملة الأوصاف فإذا كانت في إبل عُرفت.

وقال الأزهري: معنى الحديث أن الزاهد في الدنيا الكامل في الزهد فيها والرغبة في الآخرة قليل جدًا كقلة الراحلة في الإبل.

وذكر النووي معنى أجود وهو: المرضي الأحوال من الناس، الكامل الأوصاف، الحسن المنظر، القوي: المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت