فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 1236

ثم وافى المشركون سحرًا ، وعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فقاتلوا يومهم إلى هويّ من الليل ، وما يقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من المسلمين أن يزولوا من موضعهم . وما قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم على صلاة ظهر ولا عصر ولا مغرب ولا عشاء؛ فجعل أصحابه يقولون: يا رسول الله ما صلينا! فيقول . ولا أنا والله ما صليت! حتى كشف الله المشركين ، ورجع كل من الفريقين إلى منزله ، وقام أسيد بن حضير في مائتين على شفير الخندق ، فكرت خيل للمشركين يطلبون غرة وعليها خالد بن الوليد فناوشهم ساعة ، فزرق وحشي الطفيل بن النعمان بن خنساء الأنصاري السلمي بمزراق ، فقتله كما قتل حمزة رضي الله عنه بأحد . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: « شغلنا المشركون عن صلاة الوسطى صلاة العصر . ملأ الله أجوافهم وقلوبهم نارًا .

وخرجت طليعتان للمسلمين ليلًا فالتقتا ولا يشعر بعضهم ببعض ، ولا يظنون إلا أنهم العدو . فكانت بينهم جراحة وقتل . ثم نادوا بشعار الإسلام! » حم . لا ينصرون « فكف بعضهم عن بعض . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جراحكم في سبيل الله ومن قتل منكم فإنه شهيد » .

ولقد كان أشد الكرب على المسلمين ، وهم محصورون بالمشركين داخل الخندق ، ذلك الذي كان يجيئهم من انتقاض بني قريظة عليهم من خلفهم . فلم يكونوا يأمنون في أية لحظة أن ينقض عليهم المشركون من الخندق ، وأن تميل عليهم يهود ، وهم قلة بين هذه الجموع ، التي جاءت بنية استئصالهم في معركة حاسمة أخيرة .

ذلك كله إلى ما كان من كيد المنافقين والمرجفين في المدينة وبين الصفوف:

{ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا } . .

فقد وجد هؤلاء في الكرب المزلزل ، والشدة الآخذة بالخناق فرصة للكشف عن خبيئة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد؛ وفرصة للتوهين والتخذيل وبث الشك والريبة في وعد الله ووعد رسوله ، وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد بما يقولون . فالواقع بظاهره يصدقهم في التوهين والتشكيك . وهم مع هذا منطقيون مع أنفسهم ومشاعرهم؛ فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل ، وروع نفوسهم ترويعًا لا يثبت له إيمانهم المهلهل! فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجملين!

ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة؛ وموقفهم في الشدة هو موقف إخوانهم هؤلاء . فهم نموذج مكرر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان!

{ وإذ قالت طائفة منهم: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا } . .

فهم يحرضون أهل المدينة على ترك الصفوف ، والعودة إلى بيوتهم ، بحجة أن إقامتهم أمام الخندق مرابطين هكذا ، لا موضع لها ولا محل ، وبيوتهم معرضة للخطر من ورائهم . . وهي دعوة خبيثة تأتي النفوس من الثغرة الضعيفة فيها ، ثغرة الخوف على النساء والذراري . والخطر محدق والهول جامح ، والظنون لا تثبت ولا تستقر!

{ ويستأذن فريق منهم النبي ، يقولون: إن بيوتنا عورة } . .

يستأذنون بحجة أن بيوتهم مكشوفة للعدو . متروكة بلا حماية .

وهنا يكشف القرآن عن الحقيقة ، ويجردهم من العذر والحجة:

{ وما هي بعورة } . .

ويضبطهم متلبسين بالكذب والاحتيال والجبن والفرار:

{ إن يريدون إلا فرارًا } . .

وقد روي أن بني حارثة بعثت بأوس بن قيظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: { إن بيوتنا عورة } ، وليس دار من دور الأنصار مثل دورنا . ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا ، فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا ، فنمنع ذرارينا ونساءنا . فأذن لهم صلى الله عليه وسلم فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال: يا رسول الله لا تأذن لهم . إنا والله ما أصابنا وإياهم شدة إلا صنعوا هكذا . . فردهم . .

فهكذا كان أولئك الذين يجبههم القرآن بأنهم: { إن يريدون إلا فرارًا } . .

ويقف السياق عند هذه اللقطة الفنية لموقف البلبلة والفزع والمراوغة . يقف ليرسم صورة نفسية لهؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض . صورة نفسية داخلية لوهن العقيدة ، وخور القلب ، والاستعداد للانسلاخ من الصف بمجرد مصادفة غير مبقين على شيء ، ولا متجملين لشيء:

{ ولو دخلت عليهم من أقطارها ، ثم سئلوا الفتنة لآتوها ، وما تلبثوا بها إلا يسيرًا } . .

ذلك كان شأنهم والأعداء بعد خارج المدينة؛ ولم تقتحم عليهم بعد . ومهما يكن الكرب والفزع ، فالخطر المتوقع غير الخطر الواقع ، فأما لو وقع واقتحمت عليهم المدينة من أطرافها . . { ثم سئلوا الفتنة } وطلبت إليهم الردة عن دينهم { لآتوها } سراعًا غير متلبثين ، ولا مترددين { إلا قليلًا } من الوقت ، أو إلا قليلًا منهم يتلبثون شيئًا ما قبل أن يستجيبوا ويستسلموا ويرتدوا كفارًا! فهي عقيدة واهنة لا تثبت؛ وهو جبن غامر لا يملكون معه مقاومة!

هكذا يكشفهم القرآن؛ ويقف نفوسهم عارية من كل ستار . . ثم يصمهم بعد هذا بنقض العهد وخلف الوعد .

ومع من؟ مع الله الذي عاهدوه من قبل على غير هذا؛ ثم لم يرعوا مع الله عهدًا:

{ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار . وكان عهد الله مسؤولًا } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت