ومعنى { صدقوا ما عاهدوا الله عليه } أنهم حققوا ما عاهدوا عليه فإن العهد وعد وهو إخبار بأنه يفعل شيئًا في المستقبل فإذا فعله فقد صدق . وفعل الصدق يستعمل قاصرًا وهو الأكثر ، ويستعمل متعديًا إلى المخبَر بفتح الباء يقال: صدقه الخبر ، أي قال له الصدق ، ولذلك فإن تعديته هنا إلى { ما عاهدوا الله عليه } إنما هو على نزع الخافض ، أي: صدقوا فيما عاهدوا الله عليه ، كقولهم في المثل: صدقني سنَّ بَكْرِه ، أي: في سن بكره .
والنحب: النذر وما يلتزمه الإنسان من عهد ونحوه ، أي: من المؤمنين مَن وفّى بما عاهد عليه من الجهاد كقول أنس بن النضرْ حين لم يشهد بدرًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبُر ذلك عليه وقال: أولُ مشهد شَهده رسول الله غبت عنه ، أما والله لئن أراني الله مَشهدًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد ليرَيَّن الله ما أصنع فشهد أُحُدًا وقاتل حتى قُتل . ومثل الذين شهدوا أيام الخندق فإنهم قَضَوْا نحبهم يوم قريظة .
وقد حمل بعض المفسرين { قضَى نحبه } في هذه الآية على معنى الموت في الجهاد على طريقة الاستعارة بتشبيه الموت بالنذر في لزوم الوقوع ، وربما ارتقى ببعض المفسرين ذلك إلى جعل النحب من أسماء الموت ، ويمنع منه ما ورد في حديث الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في طلحة بن عبيد الله: « إنه ممن قَضَى نَحْبَه » وهو لم يمت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأما قوله { وما بدلوا تبديلًا } فهو في معنى { صدقُوا ما عاهدوا الله عليه } وإنما ذكر هنا للتعريض بالمنافقين الذين عاهدوا الله لا يولُّون الأدبار ثم ولوا يوم الخندق فرجعوا إلى بيوتهم في المدينة . وانتصب { تبديلًا } على أنه مفعول مطلق موكِّد ل { بدّلوا } المنفي . ولعل هذا التوكيد مسوق مساق التعريض بالمنافقين الذين بدّلوا عهد الإيمان لما ظنوا أن الغلبة تكون للمشركين . لام التعليل يتنازعه من التعلق كل من { صدقوا } و { ما بَدلوا } [ الأحزاب: 23 ] أي: صدق المؤمنون عهدهم وبدَّله المنافقون ليجزي الله الصادقين ويعذّب المنافقين .
وقال السيد رحمه الله (1) :
وهكذا يرسم في هذه البداءة المجملة بدء المعركة وختامها ، والعناصر الحاسمة فيها . . مجيء جنود الأعداء . وإرسال ريح الله وجنوده التي لم يرها المؤمنون . ونصر الله المرتبط بعلم الله بهم ، وبصره بعملهم .
ثم يأخذ بعد هذا الإجمال في التفصيل والتصوير:
{ إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم؛ وإذ زاغت الأبصار ، وبلغت القلوب الحناجر ، وتظنون بالله الظنونا . هنالك ابتُلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا . وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا . وإذ قالت طائفة منهم: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا . ويستأذن فريق منهم النبي ، يقولون: إن بيوتنا عورة وما هي بعورة . إن يريدون إلا فرارًا } . .
إنها صورة الهول الذي روع المدينة ، والكرب الذي شملها ، والذي لم ينج منه أحد من أهلها . وقد أطبق عليها المشركون من قريش وغطفان واليهود من بني قريظة من كل جانب . من أعلاها ومن أسفلها . فلم يختلف الشعور بالكرب والهول في قلب عن قلب؛ وإنما الذي اختلف هو استجابة تلك القلوب ، وظنها بالله ، وسلوكها في الشدة ، وتصوراتها للقيم والأسباب والنتائج . ومن ثم كان الابتلاء كاملًا والامتحان دقيقًا . والتمييز بين المؤمنين والمنافقين حاسمًا لا تردد فيه .
وننظر اليوم فنرى الموقف بكل سماته ، وكل انفعالاته ، وكل خلجاته ، وكل حركاته ، ماثلًا أمامنا كأننا نراه من خلال هذا النص القصير .
ننظر فنرى الموقف من خارجه: { إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم } . .
ثم ننظر فنرى أثر الموقف في النفوس: { وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر } . . وهو تعبير مصور لحالة الخوف والكربة والضيق ، يرسمها بملامح الوجوه وحركات القلوب .
{ وتظنون بالله الظنونا } . . ولا يفصل هذه الظنون . ويدعها مجملة ترسم حالة الاضطراب في المشاعر والخوالج ، وذهابها كل مذهب ، واختلاف التصورات في شتى القلوب .
ثم تزيد سمات الموقف بروزًا ، وتزيد خصائص الهول فيه وضوحًا: { هنالك ابتُلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا } . . والهول الذي يزلزل المؤمنين لا بد أن يكون هولًا مروعًا رعيبًا .
قال محمد بن مسلمة وغيره: كان ليلنا بالخندق نهارًا؛ وكان المشركون يتناوبون بينهم ، فيغدو أبو سفيان ابن حرب في أصحابه يومًا ، ويغدو خالد بن الوليد يومًا ، ويغدو عمرو بن العاص يومًا ، ويغدو هبيرة ابن أبي وهب يومًا ، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يومًا . ويغدو ضرار بن الخطاب يومًا . حتى عظم البلاء وخاف الناس خوفًا شديدًا .
ويصور حال المسلمين ما رواه المقريزي في إمتاع الأسماع . قال:
(1) - في ظلال القرآن - (ج 6 / ص 55)