فهرس الكتاب

الصفحة 973 من 1236

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:153-157] .

الخطبة الثانية

أما بعد: فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ حق تقاته، وسارعوا إلى مغفرته ومرضاته.

واعلموا أنه ليس الخطب في أن يصاب المرء في دنياه في نفسه أو أهله أو ولده أو ماله أو قرابته، فهذه سنة الله عز وجل في عباده، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب:62] ، فقد تكون المصيبة لذنب ارتكبه أو لسوء فعله أو لظلم وقع فيه، نسيه أو تناساه، ولكن الله عز وجل مطّلع عليه، ويعلم سره ونجواه، قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30] ، وقال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41] ، وقال سبحانه: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] ، وفي سنن الترمذي عن أبي موسى الأشعري عن النبي أنه قال: (( لا يصيب عبدًا نَكْبَةٌ فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر ) )، ثم قرأ: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30] . وقد تكون المصيبة ـ أيها الإخوة ـ من أجل تكثير الحسنات ورفع الدرجات، وقد تكون من أجل أن يشعر المسلم بضعفه وعجزه وافتقاره إلى ربه جل وعلا وأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا.

عباد الله، ليس الخطب في هذا، ولكنّ الخطب فيما وقع فيه أكثر الناس اليوم، وهو الجزع والهلع من المصيبة في الدنيا إذا وقعت، والتسخط والتأوّه منها، والإعراض عن الآداب الشرعية التي شرعت للمسلم عندما تحل به مصيبة في الدنيا، والوقوع في أعمال تنافي الإيمان وتضعفه في القلب، وتوجب الاعتراض على القضاء والقدر، ثم الغفلة بعد ذلك عن مصيبة الدين، فتجد المسلم يترك الصلاة ولا يعدّ ذلك مصيبة، يأكل الربا والرشوة ولا يعد هذا من البلاء، يقع في الفواحش والمنكرات ولا يعد هذا من الرزايا، يرفع الدشّ على سطح منزله ولا يعد ذلك رَزِيّة وبَلِيّة، يقع في عقوق الوالدين وقطيعة الأرحام ولا يكترث لذلك، يقع في ظلم الناس وأكل أموالهم وحقوقهم ولا يخاف لذلك ولا يهتزّ له قلب أو عضو، لقد صدق في الناس اليوم قول الصحابي الجليل أنس بن مالك في أهل زمانه: (إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي من الموبقات) ، قال أبو عبد الله البخاري رحمه الله:"يعني بذلك من المهلكات".

أحمد بن محمود الديب

العين

غير محدد

الخطبة الأولى

أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحبة، علينا ـ ونحن نودع عاما هجريًا ونستقبل عاما آخر ـ أن نتذكر معًا أحداث الهجرة النبوية الشريفة المباركة، فلقد شاء الله تعالى لخير عبادهِ أن ينصر دينهُ ويُمَكِّنَهُ لمعتنقيهِ ذَوِي الإيمانِ والعملِ الصالحِ، بعد أن امتحنَهُم سبحانه بالشَّدائدِ ومستهم البأساءُ والضَّراءُ وأُوذوا في سبيله وظُلموا فصبروا صبرًا جميلًا، وهان عليهم هِجرَةُ الوَطنِ وتركُ ما لهم فيه من متاعٍ ومالٍ، وكانوا أهلًا لحُسنِ الحال في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل:41، 42] .

(1) - موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4653)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت