فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 1236

قال ابن هشام من رواية ابن إسحاق في السيرة: هم بنو حارثة ، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة حين همتا بالفشل يومها . ثم عاهدوا الله ألا يعودوا لمثلها أبدًا . فذكر لهم الذي أعطوا من أنفسهم .

فأما يوم أحد فقد تداركهم الله برحمته ورعايته ، وثبتهم ، وعصمهم من عواقب الفشل . وكان ذلك درسًا من دروس التربية في أوائل العهد بالجهاد . فأما اليوم ، وبعد الزمن الطويل ، والتجربة الكافية ، فالقرآن يواجههم هذه المواجهة العنيفة .

وعند هذا المقطع وهم أمام العهد المنقوض ابتغاء النجاة من الخطر والأمان من الفزع يقرر القرآن إحدى القيم الباقية التي يقررها في أوانها؛ ويصحح التصور الذي يدعوهم إلى نقض العهد والفرار:

{ قل: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل؛ وإذن لا تمتعون إلا قليلًا . قل: من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءًا أو أراد بكم رحمة؛ ولا يجدون لهم من دون الله وليًا ولا نصيرًا } . .

إن قدر الله هو المسيطر على الأحداث والمصائر ، يدفعها في الطريق المرسوم ، وينتهي بها إلى النهاية المحتومة . والموت أو القتل قدر لا مفر من لقائه ، في موعده ، لا يستقدم لحظة ولا يستأخر . لن ينفع الفرار في دفع القدر المحتوم عن فارّ . فإذا فروا فإنهم ملاقون حتفهم المكتوب ، في موعده القريب . وكل موعد في الدنيا قريب ، وكل متاع فيها قليل . ولا عاصم من الله ولا من يحول دون نفاذ مشيئته . سواء أراد بهم سوءًا أم أراد بهم رحمة ، ولا مولى لهم ولا نصير ، من دون الله ، يحميهم ويمنعهم من قدر الله .

فالاستسلام الاستسلامَ . والطاعة الطاعة . والوفاء الوفاء بالعهد مع الله ، في السراء والضراء . ورجع الأمر إليه ، والتوكل الكامل عليه . ثم يفعل الله ما يشاء .

ثم يستطرد إلى تقرير علم الله بالمعوقين ، الذين يقعدون عن الجهاد ويدعون غيرهم إلى القعود . ويقولون لهم: { لا مقام لكم فارجعوا } . . ويرسم لهم صورة نفسية مبدعة . وهي على صدقها تثير الضحك والسخرية من هذا النموذج المكرور في الناس . صورة للجبن والانزواء ، والفزع والهلع . في ساعة الشدة . والانتفاش وسلاطة اللسان عند الرخاء . والشح على الخير والضن ببذل أي جهد فيه . والجزع والاضطراب عند توهم الخطر من بعيد . . والتعبير القرآني يرسم هذه الصورة في لمسات فنية مبدعة لا سبيل إلى استبدالها أو ترجمتها في غير سياقها المعجز:

فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد . أشحة على الخير . أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرًا . يحسبون الأحزاب لم يذهبوا . وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم . ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلًا . .

ويبدأ هذا النص بتقرير علم الله المؤكد بالمعوقين الذين يسعون بالتخذيل في صفوف الجماعة المسلمة . الذين يدعون إخوانهم إلى القعود { ولا يأتون البأس إلا قليلًا } ولا يشهدون الجهاد إلا لمامًا . فهم مكشوفون لعلم الله ، ومكرهم مكشوف .

ثم تأخذ الريشة المعجزة في رسم سمات هذا النموذج .

{ أشحة عليكم } ففي نفوسهم كزازة على المسلمين . كزازة بالجهد وكزازة بالمال ، وكزازة في العواطف والمشاعر على السواء .

{ فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت } . .

وهي صورة شاخصة ، واضحة الملامح ، متحركة الجوارح ، وهي في الوقت ذاته مضحكة ، تثير السخرية من هذا الصنف الجبان ، الذي تنطق أوصاله وجوارحه في لحظة الخوف بالجبن المرتعش الخوار!

وأشد إثارة للسخرية صورتهم بعد أن يذهب الخوف ويجيء الأمن:

{ فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد } . .

فخرجوا من الجحور ، وارتفعت أصواتهم بعد الارتعاش ، وانتفخت أوداجهم بالعظمة ، ونفشوا بعد الانزواء ، وادعوا في غير حياء ، ما شاء لهم الادعاء ، من البلاء في القتال والفضل في الأعمال ، والشجاعة والاستبسال . .

ثم هم: { أشحة على الخير } . .

فلا يبذلون للخير شيئًا من طاقتهم وجهدهم وأموالهم وأنفسهم؛ مع كل ذلك الادعاء العريض وكل ذلك التبجح وطول اللسان!

وهذا النموذج من الناس لا ينقطع في جيل ولا في قبيل . فهو موجود دائمًا . وهو شجاع فصيح بارز حيثما كان هناك أمن ورخاء . وهو جبان صامت منزو حيثما كان هناك شدة وخوف . وهو شحيح بخيل على الخير وأهل الخير ، لا ينالهم منهم إلا سلاطة اللسان!

{ أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم } . .

فهذه هي العلة الأولى . العلة أن قلوبهم لم تخالطها بشاشة الإيمان ، ولم تهتد بنوره ، ولم تسلك منهجه . { فأحبط الله أعمالهم } . . ولم ينجحوا لأن عنصر النجاح الأصيل ليس هناك .

{ وكان ذلك على الله يسيرًا } . .

وليس هنالك عسير على الله ، وكان أمر الله مفعولًا . .

فأما يوم الأحزاب فيمضي النص في تصويرهم صورة مضحكة زرية:

{ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت