قد يقابل العنوان السابق باستهجان أو استغراب ممن لم يخبر تجدد الوقائع واختلاف الأحوال، ويظن أن النص الشرعي لا يخالف المصلحة الشرعية مطلقا، وهذا خطأ لأن المصلحة الشرعية ثابتة بنصوص وقواعد شرعية أيضا .. أعني قد يتصور بليد الذهن وقاصر العلم أن نصا ما يجب أن يجري على إطلاقه، وفي كل الظروف والأحوال، وهذا خطأ، وذلك أن النصوص الشرعية مطلقة من حيث الزمان حقا، بمعنى أن ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله هو تشريعه أبدا وإلى قيام الساعة، ولكن الله سبحانه وتعالى قد وضع قواعد وضوابط للتنفيذ والامتثال، كقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسها إلا وسعها} ومعلوم أن وسع فلان غير وسع غيره ولذلك فالنص العام ينزل منازله بحسب الأفراد لا بحسب العموم، ولذلك جاءت الشريعة باستثناءات كثيرة للمضطر والمريض والمسافر والأعرج والأعمى، وذلك في الطعام والشراب والقتال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعلان الإسلام، وقول كلمة الكفر، والصلاة والصيام، وسائر العبادات، وهذا معلوم مشهور، ولكن ما يقع الخلاف فيه من أهل العلم هو تغليب المصلحة الشرعية على تنفيذ نص شرعي، والسبب في الخلاف حول هذه القضية: أن المصلحة الشرعية لا يراها الناس بمنظور واحد، وكذلك الاختلاط وامتزاج المصالح الخاصة أحيانا بالمصالح الشرعية، وكذلك لقصور الإنسان عن معرفة ما يصلح له في الحقيقة مما لا يصلح له .. وعلى كل حال فالأخذ بالمصالح الشرعية من منهج الإسلام ومن أصوله الثابتة، ففي السنة غلب رسول الله صلى الله عليه وسلم جوانب المصلحة التي رآها، فقد شاور الصحابة في شأن أسرى بدر، وكلهم أشار بما يرى أنه المصلحة للمسلمين، كما أشار عمر بأن يقتل الأسرى حتى لا يقوم للكفار قائمة بعد، وهذه مصلحة شرعية، وأشار أبوبكر وغيره بالإبقاء على حياتهم وأخذ فدية مالية منه ليتقوى بها المسلمون، ولعل الله أن يهدي الكفار، وهذه مصالح شرعية، وقد أخذ الرسول بما رآه مصلحة في نظره، وأقره الله على ذلك، وإن كان قد وجهه سبحانه أن المصلحة الحقيقية في الرأي الأول، وكذلك ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين الذين أعلنوا الكفر كعبد الله ابن أبي والمستهزئين بالله ورسوله الذين نزل فيه قوله تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} ، ومع ذلك لم يطبق الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم حكم المرتد، وذلك خوفا من أن يتكلم الناس أن محمدا يقتل أصحابه، كما جاء في حديث الصحيحين، وهذا ترك لإعمال نص وهو قوله صلى الله عليه وسلم: [من بدل دينه فاقتلوه] أخذًا بتلك المصلحة الشرعية، أو بالأحرى خوف مفسدة شرعية، وهي تكلم الناس أن محمدا يقتل أصحابه، وفي هذا تنفير عن الدين.
وكذلك ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفيذ حد القذف الثابت في القرآن على عبدالله بن أبي بن سلول رأس الإفك ورأس المنافقين، وذلك حذرا من إعلانه الردة وتمزيق جماعة المسلمين وانتقاض أحوال