فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 120

وخلاصة هذه الفقرة أننا إذا أخطأنا وحكمنا لرجل بالإسلام -لما ظهر لنا من أمره- وليس كذلك، فلا يضيرنا هذا عند الله، وليس هذا بمدخله الجنة -إن لم يكن كذلك في الحقيقة والواقع- ولكننا -ولاشك- ملومين عند الله إن أخرجنا رجلا من الإسلام -وهو لم يفعل أو لم يقل ما يكون به كافرا- لتحذير الرسول السابق: [من قال لأخيه يا كافر وليس كما قال إلا حار عليه] أي رجع عليه الوصف .. لذلك كان الخطأ في العفو خيرا من الخطأ في العقوبة كما أسلفنا.

هذا ويترتب على إخراج رجل من الإسلام أضرار ومفاسد عظيمة إذا لم يكن كافرًا فعلا، فبالحكم على رجل بالكفر يستباح دمه وعرضه وماله، ويجب على المسلمين قتاله وقتله إن تمكنوا من ذلك، ولا يرث أهله تركته، ولا يدفن في مقابر المسلمين إن مات على ما حكمنا عليه به من الكفر والردة، ويجب تطليق امرأته إن كانت تحته مسلمة وهدم نكاحه، وإبطال شهادته مطلقا، ولا شك أن هذه أمور في غاية الخطورة إذا لم تكن في نصابها الصحيح، وذلك أن المؤمن محبوب عند الله سبحانه وتعالى، متوعد من يعتدي على شيء من حرماته بغضب الله وسخطه، بل إن المعتدي على دم المسلم مخلد في النار كما قال تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه، وأعد له جهنم وساءت مصيرًا} ولذلك غضب الله على الخوارج وأمر رسول الله بقتلهم وقتالهم مع كثرة صلاتهم وصيامهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: [يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية] ومروقهم من الدين إنما هو لاستحلالهم قتل المسلمين الذين استحلوا قتلهم بمعاصيهم وحكموا عليهم بالكفر وهم -أعني المحكوم عليهم- لم يكونوا كفارا في ميزان الله سبحانه وتعالى، ولذلك لم ينفع الخوارج اجتهادهم في العبادة مع قتلهم للمسلمين، ولهذا قلنا إن المفاسد العظيمة التي تتأتى من الجهل والخطأ بإخراج مسلم من الإسلام لا يعدلها شيء، لأنها في الحقيقة تعادل المروق من الدين والخلود في النار.

وأما الحكم على مسلم بأنه مسلم -وليس كذلك- فإن مفاسده قليلة جدا، بل تكاد تنعدم إذا عرفنا حقيقة الفرق بين الكفر والإيمان، ولم نقر مسلما على أن يعمل باطلا أو يقول باطلا، فإذا أنكرنا على المسلم فعله الباطل، سواء كان شركا أو كفرا أو معصية، فإننا براء عند الله، ثم اتبعنا مع كل مسلم القواعد الشرعية في المعاملات، فلم نزوجه إلا إذا عرفنا صدقه وأمانته، ولم نشتر منه أو نتبايع معه إلا كذلك أيضا، فلا شك أننا نكون في أمان وعافية.

والمهم في هذا الصدد أن الخطأ في الحكم بالإسلام للمسلم الذي يُظهر شيئا من الإسلام خير من الخطأ في الحكم بالكفر على مسلم نخرجه من الدين وهو لا يستحق هذا الإخراج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت