تعالى: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله} الآية .. وكذلك تشدد اليهود في تحري الحق في زعمهم، فشددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم في كثير من الشرائع التي ألزمهم بها، كما حدث في شأن البقرة التي أُمروا بذبحها، وبشأن الانقطاع عن العمل يوم السبت وغير ذلك، ولذلك جاء النبي صلى الله عليه وسلم محذرا من التنطع والتشدد في الدين، فقال صلى الله عليه وسلم: [هلك المتنطعون، هلك المتنطعون .. هلك المتنطعون] ، وكان الدين الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم هو الحنيفية السمحة، وقال صلى الله عليه وسلم: [يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا] وقالت عائشة رضي الله عنها: [ما خُير رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه] .
التشدد والتنطع درجات:
ولاشك أن التشدد والتنطع والتطرف في الدين درجات، فقد يكون في إلزام النفس بعبادة فوق الحد الذي شرعه الله، كمن يصوم النهار أبدا، أو يصلي الليل أبدا، ومثل هذا قال فيه الرسول: [أما أنا فأصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، فمن رغب عن سنتي فليس مني] !. وقد يكون بتحريم الحلال على النفس، كمن يحرم على نفسه الزواج مثلا تبتلأ، ولا شك في حرمة ذلك، ومثل هذا النوع من التشدد خفيف الضرر، قليل الأثر، بل هو أمر طبيعي فطري يجابه المتدين بمجرد انفتاح قلبه إلى الخير، وانشراح صدره للإسلام، كما قال صلى الله عليه وسلم: [لكل عابد شرة ثم فترة، فمن كانت فترته إلى سُنة فقد هُدي، ومن كانت فترته إلى بدعة فقد ضل] . والشرة هي النهم، وازدياد الرغبة، والمقصود هنا النهم إلى كثرة العبادة، ثم تأتي بعد ذلك الفترة وهي السكون والراحة، فمن سكن إلى عبادة مشروعة فقد اهتدى، ومن ابتدع عبادة ولازمها بعد ذلك فقد ضل، وعلى كل حال هذا النوع من التشدد ليس آفة وليس خطرًا لأنه إلى أمد محدود وعلاجه سهل ميسور.
ولكن التشدد والتطرف الذي هو آفة الآفات وغاية الشرور وسبيل هدم الدين وتمزيق جماعة المسلمين، هو الغلو في التكفير، والتنطع بإخراج المسلم من الإسلام بالمعصية التي لا تبلغ درجة الكفر، واستحلال دمه وماله بذلك. وهذا النوع من الغلو هو الذي فرق أمة الإسلام في عهدها الأول، فعن طريقه استحلت طائفة من المسلمين دم الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، زاعمين أنه لا يسير على سنة الشيخين، واستحلوا بعد ذلك قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واستحلوا قتل معاوية وعمرو بن العاص، ثم حاربوا الخلفاء من بني أمية الواحد منهم بعد الآخر، وظل هذا دينهم في خلافة بني العباس، كل منهم يدعي نصر الدين، فيخرج مع مجموعة معه على المسلمين فيعمل فيهم القتل والتشريد، وفيهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يخرج من ضئضئي هذا قوم يقرأون