وكذلك جاء مثل هذا عن المقداد بن الأسود أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: [أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله. أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال] (متفق عليه) ومعنى هذا أن المسلم يكفر إذا قتل مسلما ومن مات مظلو ا بعد أن قال لا إله إلا الله فهو في الجنة.
ومعنى هذا كله، أن الحكم بالإسلام لشخص ما يتحقق إذا أظهر شيئا من الإسلام، وأنه يُحكم له بذلك، ويأخذ أحكام الإسلام من وجوب الكف عن دمه وماله وعرضه، وأنه لا يجوز الحك بتاتا بأنه منافق، وإن أظهر بعض أعمال المنافقين، لأن النفاق قضية قلبية لا يطلع عليها إلا الله سبحانه .. وأن القرائن التي قد توحي بأن شخصا ما أعلن الإسلام لحاجة في نفسه، أو لمنفعة مادية لرغبة أو رهبة، لا يجوز التعويل عليها مطلقا، وإذا عرفنا هذا وتأكدنا منه بقي أن نعرف ما اليقين الذي يجوز به إخراج فرد ما أو جماعة ما من الإسلام، وإلحاقهم بالكفار، وإجراء أحكام الكفر عليهم؟
10 -التطرف آفة كل الشرائع
نشرنا مقالا لأحد الإخوة أنحى فيه باللائمة على من يقول: إن هناك تطرفا دينيا، فقال: [كبرت كلمة تخرج من أفواههم] ، وسفه أقوال الذين ناقشوا ظاهرة التطرف، فنسبوها إلى التفسخ وانتشار الموبقات، واستفحال الظلم، وتردي السياسات العربية في الخنوع أمام إسرائيل، والتفريط بالأوطان، ورد كذلك على الذين نسبوا هذه الظاهرة إلى غير ذلك من الأسباب، ولما كان المقال بوجهه الذي نشر به يُفهم منه أنه لا تطرف حاصل أو قد حصل في فهم الدين والعمل به، وكانت هذه مغالطة كبيرة قد تجعل كل فعل انتسب إلى الدين بأنه من الدين، حتى وإن كان خارجا عنه، وبعيدا عن آدابه وأحكامه، لهذا أحببنا أن نفصل القول في هذا الأمر تنزيها للدين، ووضعا للأمور في مواضعها.
الغلو والتشدد آفة في كل الشرائع:
فنقول .. وبالله التوفيق، إن الغلو والتشدد والتنطع آفة في كل الشرائع السماوية، فقد غالى النصارى في نبيهم عيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه عليه حتى عبدوه وزعموا أنه الله، أو ابن الله وقال الله ردًا عليهم: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فلا تقولوا ثلاثة، انتهوا خيرا لكم} الآيات، وكذلك كان من تشددهم وتنطعهم اتخاذهم الرهبانية دينا لم يشرعه الله عليهم، كما قال