وقد رد علماء السنة والسلف على ما قاله الخوارج والمعتزلة في ذلك بقولهم: إن الرسول صلى الله عليه وسلم استثنى الإمام من تغيير مكره بالقوة، بل لم يجز أصلا إنكار منكره إلا باللسان فقط وقد جاء هذا في أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود: [ستكون أثرة وأمور تنكرونها] ! قالوا يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال [تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم] (رواه البخاري ومسلم) وكذلك حديث أم سلمة في مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: [أنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برىء ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع] ، قالوا يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟! قال صلى الله عليه وسلم: [لا، ما صلوا] ا. هـ
قال أهل السنة والجماعة: وهذا نص في أن الإنكار على الإمام الذي يخلط في عمله وحكمه بين الحلال والحرام لا يجوز الخروج عليه بالسيف، بل إذا كره بقلبه فقد برئ، وإذا أنكر بلسانه فقد سلم ولكن من رضي وتابع كان مشاركا في الإثم والمعصية، وقد استفصل المسلمون رسول الله في جواز الخروج عليهم بالسيف حينئذ فأبى وقال: [لا، ما صلوا] ، أي ما قاموا ملتزمين بالصلاة .. ويؤيد حديث أم سلمة هذا حديث عوف بن مالك في مسلم أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم] قيل يا رسول الله: أفلا ننابذهم بالسيوف فقال: [لا ما أقاموا فيكم الصلاة! وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدا من طاعة وهذا نص ظاهر واضح أن الإمام -وإن استحق اللعن من المسلمين، وكان بغيضا إليهم مبغضا لهم- لا يجوز الخروج عليه بالسيف مادام أنه من جملة المصلين!! وقال أهل السنة من الجماعة أيضا والسلف قاطبة: إنه لا يجوز الخروج على الإمام الذي مازال يصلي إلا أن يكفر كفرا بواحا، والبواح هو العلانية الشائع أي أن يعلن ذلك ولا يكون مُسرا به لأهل خاصته مثلا، واستندوا في ذلك أيضا إلى حديث جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض فقلنا حدثنا -أصلحك الله- بحديث ينفع الله به سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: [دعانا رسول الله لله فبايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله قال: إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان] (متفق عليه) وهذا نص ظاهر في عدم جواز منازعة الإمام الأمر إلا أن يعلن الكفر علانية.
وأما استدلال الخوارج والمعتزلة بقول عمر فلا حجة فيه لأنه لم يقل قوموني بالسيف وإنما قال: قوموني فقط، وقول القائل لعمر: رضي الله عنه: لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا تطاول منه على أمير المؤمنين لم يشأ أن يرد عليه وهو في مقام الإمام وفي خطبته الأولى حتى لا يتهم بالدفاع عن نفسه، وإلا فهذا الأمر أشبه بين السلف مما هو معلوم من الدين بالضرورة.