فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 120

متى يجوز قتال المسلم:

هناك فارق كبير بين قتل المسلم وقتاله، فالقتل معناه إهدار دمه والقضاء عليه، وأما القتال فهو دفع عدوان والتصدي لظلم وكف شر، وقد أجازت الشريعة المطهرة للمسلم أن يدفع الشر والعدوان عن نفسه وماله وعرضه ولو أدى ذلك إلى قتل المعتدي -ولو كان مسلما- ويدل لهذا آيات وأحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: [من قُتِل دون ماله فهو شهيد] وفي الحديث أيضا أن رجلا قال لرسول الله: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال: [لا تعطه] . قال: فإن أبى. قال: [قاتله] . قال فإن قتلني. قال [أنت في الجنة] . قال فإن قتلته. قال [هو في النار] وهذا نص في وجوب الدفع عن المال ولو أدى ذلك إلى قتل المعتدي، ولاشك أن الدفع عن النفس بطريق الأولى والأحرى وقد جاء منصوصًا عليه أيضا في قوله صلى الله عليه وسلم: [ومن قتل دون نفسه فهو شهيد] ولكن قتال المعتدي علينا غير قتله -أعني أنه يجب قتاله ودفعه وليس قتله- ومعنى القتال أن تدفع المسلم المعتدي على النفس والمال بما يندفع به، وهذا ما يسمى في الشريعة (بدفع الصائل) أي المعتدي على النفس أو العرض أو المال، وحكم هذا أن ندفعه بأيسر ما يندفع به فإذا اندفع بالسب دفعناه أو باليد أو العصا دفعناه، وإذا لم يندفع إلا بالسيف استعملناه.

ويستوي في هذا الباب أن يكون الصائل أو المعتدي فردا واحدا أو جماعة وذلك لقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} فقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي} نص في وجوب التصدي للفئة الباغية الظالمة حتى تثوب إلى رشدها وترجع إلى الحق وتذعن للصلح وتكف عن القتال والبغي.

وقد شُرِع القتال أيضا لكف البغاة القائمين في وجه السلطان المسلم المبايَع له، كما قاتل علي بن أبي طالب من قام في وجهه بعد إقرار البيعة له وذلك بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، ولهذا كف عن مقاتلة أصحاب الجمل بمجرد تركهم للقتال، ولم يجهز علي جريحهم، ولم يتبع الفار منهم، ولم يستحل دماءهم ونساءهم.

وكذلك جعل العلماء من هذا الباب قتال المتمالئين على ترك واجب أو فعل محرم كما قاتل أبو بكر مانعي الزكاة، وإن كان بعضهم لم يمتنع عن إقامة الصلاة ولكنهم لما تمالئوا على ترك فريضة ثابتة في الدين قاتلهم وقال: [لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال] . ومن هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت