فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 120

الساعة، ولهذا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من كافة الوفود التي جاءته إسلامها، وشهد لها بذلك، وعاملهم معاملة المسلمين، مع أن كثيرا منهم لم يكن الإيمان قد دخل قلوبهم بعد، وكثير منهم كذلك كان يجهل حقائق الإيمان، كما قال تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمَّا يدخل الإيمان قلوبكم} ، وهذه شهادة من الله سبحانه على أناس أنهم لم يدخل الإيمان في قلوبهم بعدُ، ومع ذلك أمرهم سبحانه أن يقولوا: أسلمنا، ولاشك أن قولهم أسلمنا يلزم المؤمنين أن يعاملوهم بالإسلام، فيكفوا عن دمائهم، ويلقوا عليهم السلام ونحو ذلك من حقوق المسلم على المسلم.

وهذه الأدلة التي قدمناها في الرد على من زعم أن كل عربي وأعرابي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: لا إله إلا الله كان يفهم معناها الحقيقي، بل كان هناك من جُفاة الأعراب من لا يفهم منها إلا كما يفهم أي جلف جاهل يعيش في أزماننا، ومع ذلك أمر رسول الله والمؤمنين أن يعاملوا أولئك بما ظهر منهم، وما أعلنوا من دينهم.

والشاهد من كل ما قدمنا أننا نحكم لشخص ما أو جماعة ما بالإسلام بمجرد ظهور ما يدل على إسلامهم، كأن يشهدوا الشهادتين -حتى وإن لم يفقهوا معناها- أو يصلوا صلاة المسلمين، أو يصوموا صيامهم، أو حتى كانوا يلبسون ملابس المسلمين ويسيرون في طرقاتهم، فمأجور ولاشك من سلَّم على أمثال هؤلاء، ومن أمرهم بمعروف أو نهاهم عن منكر، أو أعانهم على خير وبر، أو ساعدهم، أو قام بشيء نافع لهم، حتى وإن كان يعتقد أنهم يجهلون حقيقة لا إله إلا الله، ولا يدركون حقيقة الدين ومفهومه الصحيح.

ولاشك أن حكمنا على أمثال هؤلاء لا يدخلهم الجنة كما قلنا آنفا، ولم يكلفنا الله عند هذه الشهادة أن نعرف حقيقة إيمانهم قبلها، لأننا نحكم له بالإسلام الظاهر لا بالإسلام الحقيقي الذي لا يعلمه ولن يعلمه على الحقيقة إلا الله سبحانه وتعالى.

ومهما بالغنا في معرفة إيمان شخص على الحقيقة فإننا لا ندرك ذلك، ولذلك كاه أصحاب النبي يخشون على أنفسهم أن يكونوا منافقين بالفعل، كما روى ابن أبي مُليكة قال: [أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخشى على نفسه من النفاق] !!. وقد صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لحذيفة - وكان النبي قد أعلمه بالمنافقين:

أما سماني رسول الله في المنافقين!! ولذلك أنكر ابن مسعود رضي الله عنه على من قال: أنا مؤمن، فقال: فليقل إنه من أهل الجنة!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت