أخذ القتال أشكالا وأنماطًا كثيرة عبر التاريخ، فمن الشعوبية السرية، إلى الحملات العسكرية، إلى الحملات الفكرية العلنية، إلى نبش جذور الإسلام والبحث عن خلع أسه وأساسه من النفوس والقلوب، ولذلك قال تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملَّتهم} الآية.
باختصار: أهل الدعوة الإسلامية مطالبون بألا يتطرق الكلال إلى نفوسهم: وأن يعلموا أن رسالتهم الإعلامية بالإسلام رسالة أبدية مع المؤمنين بها، ومع المحادِّين والمحاربين لها، وأنهم مطالبون دائما بالتجديد والابتكار في أساليب العرض وأفانين القول، وأن الحق واحد قديم لا يتغير ولا يتبدل، وإنما تتغير الوسائل والأساليب وأنماط البيان والعرض، وأما هذا التكرار الغبي الأبله فإنه لا يزيد الناس إلا نفورا، وهناك فارق عظيم جدا بين الاستمرار الذكي الناجح، والمداومة الجادة الخلاَّقة، وبين هذه الأنماط الجامدة المحنطة، والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى.
15 -الدعوة إلى الله سبحانه شرف في الغاية، وطهارة في الوسيلة
الأهداف التي تريد الدعوة الإسلامية أن تصل إليها أهداف شريفة، فمنها توجيه الناس إلى ربهم وخالقهم -سبحانه- ليعبدوه ويوحدوه، لقوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، ولقوله تعالى أيضا: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ومنها إقامة العدل في الأرض وفرض السلام والأمن لقوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلنا بالبيِّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} ، فالعدل بين الخلق مقرون بتحكيم شريعة الله والإذعان لأمره.
ومن الغايات أيضًا إصلاح النفوس، وإشاعة المحبة والتآلف والتعاطف بين أخوة الدين والعقيدة، والحق أن منافع الدين وغاياته الشريفة الطيبة كثيرة وعظيمة، ولكن السبل إلى تحقيق هذه الغايات في عالم الواقع شاق وصعب وطويل، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى قد شاءت حكمته أن يبتلى الرسل والدعاة بال جرمين والمنافقين، كما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين} ، وقال: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} ، ولكن مع وجود العقبات العظيمة التي تقف في طريق الدعوة، فإن الله سبحانه وتعالى أمر المسلمين بطهارة الوسيلة التي يجب عليهم اتخاذها للوصول إلى أهدافهم، ونعن بطهارة الوسيلة استقامتها وبعدها عن المكر والخديعة إلا في الحروب، والبعد عن المداهنة والغدر والكذب مطلقًا، وكل هذا بالطبع حرام مع الأعداء والكفار كما هو مع الأصدقاء والمسلمين، ومن أهم الوسائل التي حرَّمها الله سبحانه وتعالى:
1 -المداهنة: