فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 120

وتشبه الرسالة الإعلامية المضادة التي يجب أن يقابل بها الداعون للإسلام المحاربين له - تشبه هذه الرسالة الحرب الحقيقية، بل هي حرب حقيقية تتصارع فيها الأفكار والعقائد، وميدانها هو العقول والقلوب، وبالتالي الأخلاق والأنظمة، ونظم الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتعليم والتربية .. هذه الميادين الإنسانية هي ميادين الحرب الإعلامية، بين الإسلام والكفر، وبين الحق والباطل، ولن يزال هذا الصراع إلى قيام الساعة، ليس بين الإسلام والكفر، بل وبين كل رأي ورأي، وفكر وفكر، ونظام ونظام .. فالعلوم الإنسانية مازالت ولا تزال ميدانًا للصراع حتى قيام الساعة، وذلك بعكس العلوم الطبيعية التجريبية التي لا يختلف الناس كثيرا حول الحق والباطل فيها، لخضوعها للحس والبرهان التجريبي.

وفي اليوم الذي ينهي فيه أهل رسالة ما حربهم الإعلامية للنظريات والأفكار المضادة - في هذا اليوم يقضون على أنفسهم وعلى رسالتهم، وبالتالي على وجودهم وحضارتهم تماما، كما لو كان هناك جيشان متقاتلان تخلى جيش منهما عن سلاحه، وسلم نفسه وأرضه للجيش الآخر.

والمسلمون اليوم في مثل هذه الحالة، تماما، فقد ألقوا سلاحهم الإعلامي في وجه الأسلحة المضادة، وهجروا الأساس الذي قامت عليه حضارتهم الآنفة، واقتنعوا واستسلموا لغزو العدو الفكري والعقائدي، وسلَّموا مواقعهم الفكرية والعقائدية موقعًا موقعًا، بل قام من أبناء هذه الحضارة الإسلامية من ينتحل فكر العدو ويدافع عنه، ويكون جنديا مخلصا في صفوف أعداء هذه الأمة.

المهم من هاتين المقدمتين أن نعلم: أنه لا يجوز بتاتا في سبيل نشر الإسلام بين أبنائه أن نظن أن هذه العملية التعليمية الإعلامية يجب أن تهدأ، وأن يصيب أهلها الكلال أو الملل، وليس معنى هذا هو التكرار البليد الغبي لخطب الجمعة والاحتفالات بالمناسبات الدينية، وتكرار دروس مدارس التربية الإسلامية الممل الشائه، وإنما معناه الإبداع المستمر والحركة المتواصلة والتقليب الدائم، والعرض الجديد لمبادئ الإسلام الخالدة .. (ولهذا تفصيل في مقام آخر إن شاء الله تعالى) . وكذلك لا يجوز بتاتا أن يظن حملة الرسالة الإعلامية الإسلامية المنافحة عن هذا الدين -والتي تعرض لهذا التهجم الشرس من أعدائه- أنه سيأتي يوم تهدأ فيه هذه الحرب وتخمد نارها، إلا إذا حكمنا على أنفسنا وحضارتنا بالدمار والاندثار.

وفي المعاني السابقة نزلت الآيات الكثيرة تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر في الإبلاغ، وتكرار المرة تلو المرة، والاستمرار في الدعوة كما قال تعالى: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا} ، وقوله تعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} وقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت