فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 120

ولم يرض صلى الله عليه وسلم من أتباعه أن يعلنوا اعتناقهم لدينه وتصديقهم له دون كفرهم بكل دين سواه، وتكذيبهم كل ما يخالفه .. وأعلن القرآن لهم هذا صراحة وبلا مواربة، قال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} .

والطاغوت كل ما جاوز حده من معبود ومتبوع غير الله سبحانه وتعالى ورسوله، فلا عبادة إلا لله، ولا طاعة مطلقة إلا لله ورسوله، وكل ما سوى ذلك فلا قدسية له إلا بالمقدار الذي يقدسه الله ورسوله، وكل ما وضعه الله ورسوله فهو وضيع إلى يوم القيامة مهما عظَّمه الناس ورفعوه.

وقام النبي صلى الله عليه وسلم مسفهًا عقائد قومه مستهزئا بآلهتهم، واصفًا عقولهم بكل نقيصة، وعيونهم وأسماعهم بالعمى والصمم، وحوَّل جهده إلى اليهود الذين زعموا احتكار الهداية واختصاصها بهم، فنشر فضائحهم وأخرج مخازيهم التي تعاهدوا دهورا على كتمها والتستر عليها حتى من أولادهم وجهلتهم، وجاءه النصارى يجادلون بالباطل فأفحمهم ببيان ضلالهم، وجهلهم في معبودهم ورسولهم وأحكام ملتهم، وهكذا لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم مخالفا له إلا فاجأه بضلاله وتناقضه وجهله وعماه.

ترى القرآن يستهزىء من آلهة المشركين ويتهكم، فتراه يقول: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى} .

فكأنه يقول لهم: يا معشر الأغبياء!! هل نظرتم إلى اللات والعزى (اللات صنم لرجل صالح كان يلت السويق للحاج، فلما مات نصبوه على قبره ودعوه من دون الله، والعزى بيت بالطائف كانوا يزعمون أن الجن تكلمهم منه) ؟ وهل نظرتم أيضا وتفكرتم في شأن مناة هذه الثالثة الأخرى التي دعوتموها (ومناة حجر كان بساحل البحر قرب جدة وهو للأوس والخزرج خاصة) ؟ ثم يسكت فلا يجيب عنها، وكأنه يقول ماذا في هذه الأحجار حتى تُدعى وتُسأل من دون الله؟! ثم يقول لهم هل يرزقكم الله بالذكور من ذريتكم ويختص نفسه بالإناث؟ (وقد زعموا أن الملائكة إناث وهن بنات الله! تعالى الله عن قولهم) .

ثم يقول لهم: هذه قسمة جائرة أن تعطوا البنات لله، -وأنتم تكرهون البنات- وتختصوا أنفسكم بالبنين!! وكأنهم هم الذين يوزعون ويقسمون .. ومثل هذا الأسلوب البليغ -وكانت العرب تقدر الأساليب البليغة، وُتميِّز بين جيد الكلام ورديئه- يحطم عقائد الضلال تحطيمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت