-إلا في الحالات الشاذة- فكرًا تابعًا ذليلًا للفكر السياسي والاجتماعي، والاقتصادي السائد. وكان من الواجب أن يكون الاجتهاد الإسلامي اجتهادًا رائدًا موجِّهًا لسياسة الأمة واقتصادها ونظم الاجتماع فيها.
ولذلك وجب على الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى أن يكونوا على مستوى حركة الأمة وواقعها، ولا يفترض بالضرورة أن تكون حركة الأمة موافقة للإسلام تمامًا ولا أن يكون واقعهًا واقعًا إسلاميًا راشدًا، وإلا فما مهمة أهل العلم من المسلمين إن كان الناس سيسيِّرون هذا الدين تلقائيا عفويًا. هذا لا يتأتى إلا في مجتمع الملائكة، وأما في مجتمع البشر فلا.
ولا يمكن أن يكون العلماء على مستوى حركة الأمة وواقعها إلا إذا اتسمت بحوثهم وخطبهم ومحاضراتهم بالحكم على الواقع وترشيده، وكانت تصحيحا لحركة الأمة وسير حركتها في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم والتربية والأخلاق، وأما الاكتفاء بهذا الوعظ الأبله، والعيش في أمجاد الماضي ومثالياته -دون نقل هذه المثاليات والنظم والقوانين للعمل والتطبيق في الحاضر- يبدو هذا أمرًا تافهًا للغاية.
وإذا كنا بصدد تسهيل مهمة فهم الإسلام وجعله -كما شاء الله- رسالة شعبية وعقيدة وخلقًا ومنهجًا للناس جميعا، فإنه يتحتّم علينا نفي التعقيد اللفظي والكهانة الدينية .. وخير ما يقال في هذا الصدد هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم: [وأبغضكم مني وأبعدكم عني مجلسًا يوم القيامة المتشدقون والمتفيقهون والمتحذلقون] .
فالتشدق هو إدارة الكلام في الأشداق، وملء الفم به تفاصحًا خلق ذميم يعطل الفهم ولا ييسره، وكذلك التفيهق والتحذلق، بل الواجب على دعاة الإسلام وعلمائه أن يكونوا كما أمر الله رسوله: {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} .
ولتسهيل هذه المهمة الإعلامية بالإسلام يجب أن تتبع الخطوات الآتية:-
أولا: فهم الأهداف والحكم العالية من رسالة الإسلام في الأرض، ويعني هذا الإجابة عن الأسئلة الآتية:
ما الحكمة التي خلقنا الله من أجلها؟ لماذا فرض الله هذا الدين بالذات؟ أعني لماذا أرسل الله الرسل وأنزل الكتب؟ ولماذا يجب على الناس أن يكونوا مسلمين؟ وما ثمرات ذلك؟ وما مضار النكوص عن تحمُّل هذه الأمانة؟ .. والأجوبة السطحية على هذه الأسئلة لا تعني شيئا، بل لابد من استقراء الكتاب والسنة بفهم الإجابة الموضوعية عليها.