فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 120

ثم بيَّن سبحانه الغاية من هذه العبادة وهي التقوى والتقوى معناها أن تتقوا عذابه، إذ الواقع والمرتب على التكذيب .. وهذا تهديد وترغيب أيضًا لأن التقوى منزلة في الإيمان والتقرب أيضا ثم قدّم الدليل على صدق هذه الدعوى وهي صدق الرسول الذي جاء بهذا الكلام الذي يتحدى الله به الأولين والآخرين {وإن كنتم في ريب مما نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} . الآيات .. ثم عقَّب بأن كل محاولة لإثبات كذب الرسول مردها إلى الفشل وأنه لن تأتي الأيام إلا بما يصدَّق دعوته فقال: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} وهذا أبلغ تهديد بالعذاب والنكال لمن لم يقبل هذه الدعوة، ثم بشَّر الطائعين فقال: {وبشِّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل .. } الآيات، وهذه البشرى ليست هناك في الأرض بشرى تعادلها لأنها تتضمن الحياة السرمدية في أهنأ مكان وأسعده وأي عاقل لا يتمنى ذلك!! وهكذا مع تفصيل هذا الكلام وتصوره تصورا صحيحا ووزنه وتقديره يجد العاقل نفسه أنه لا فكاك له من قبول هذه الدعوة والإذعان لها والدخول في طريقها، بل يجزم كل متبع لهذه الدعوة ... -إذا كان مؤمنا بها بحق- أن المجنون وحده هو الذي يرفض هذه الدعوة، وإذا لم يعترف هذا الرافض بسفهه وغروره وضياع عقله في هذه الدنيا فسيأتي وقت ليفعل ذلك وهذا عندما يعاين حقيقة الأخبار التي أخبر بها الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى عن النار وأهلها: {تكاد تميّز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير، قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذَّبنا وقلنا ما نزَّل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير، وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} .

ولا شك أن العاقل يقدَّر ما يسمع، وخاصة إذا كان موجَّها إليه، لا يجد حيلة ولا ذريعة في ترك الإذعان لهذه الدعوة، فكيف إذا انضاف لهذه الدعوة مئات من الآيات البليغة في هذا الصدد لتعالج هذا الموضوع من كل زاوية من زواياه.

وهذا العرض المعجز المدعَّم بالأدلة المحيطة بجوانب الأمر لا يتوقف على الأمور العامة الشاملة، بل يشمل جميع المواضيع والجزئيات والفرعيات التي يعرض لها القرآن. ولن تستطيع أن تقف على هذا وقوفًا كاملا إلا بالدراسة الواعية والتدبر لكتاب الله عز وجل. فانظر مثلا إلى الآيات النازلة في شأن الطلاق، أو الميراث، أو الجهاد، أو الصدقة والزكاة، لقد عالج القرآن كل موضوع من المواضيع السابقة .. إنه ليتركك في أمر كالطلاق تفكر ألف مرة قبل أن تقدم عليه، وفي أمر كالميراث تخشى أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت