ولما كانت دعوة الإسلام لا ترضى من أتباعها بجزء من حياتهم، بل تطلب حياتهم كلها وما لهم كله وتصرفاتهم جميعها، وكان صاحب هذه الدعوة هو الله سبحانه وتعالى، وكان القرآن هو كلامه المتضمن دعوته هذه فإن الله قد أحاط دعوته بأسباب الأخذ بها حتى لا يترك لمعترض اعترضًا، ولا لمتكاسل مجالًا، ولا لمراوغ مهربًا، ولا عجب فإن الرب سبحانه هو الحكيم العليم، وكتابه هو الكتاب البلاغي المعجز نظمًا ومعنى، ولذلك كان التزام الدعاة إلى الله بأسلوب القرآن في العرض لا أقول ضروريًا، بل لا إلزام بغيره أصلًا، ولذلك قال الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا، فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا} ، فالجهاد للدعوة إنما يكون بالقرآن عرضًا وتلاوة وشرحًا وتفسيرًا، ولذلك كان نهج النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة أن يفعل ذلك. فيروي مسلم بإسناده عن عمرة بنت عبدالرحمن عن أخت لعمرة قالت:"أخذت {ق - والقرآن المجيد} من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة".. فهذه صحابية لا تحفظ سورة من القرآن إلا من كثرة ترديد النبي لها على المنبر يوم الجمعة، ومعلوم أن خطبة الجمعة كانت أهم عمل (إعلامي) في زمن النبي صلى الله عليه وسلم -كما سيأتي بعدُ إن شاء الله تعالى- ويروي مسلم أيضا بإسناده عن صفوان بن يعلي عن أبيه أنه سمع النبي يقرأ على المنبر: {ونادوا يا مالك} .
كيف عرض القرآن لدعوة الإسلام:
إذا تصفحت القرآن الكريم لتعلم كيف عرض الله سبحانه وتعالى الدعوة إلى الإسلام وجدت مصداقا لما حدثناك عنه آنفًا.
فهذا أول أمر في القرآن قوله تعالى في سورة البقرة: {يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون. وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله .. } الآيات.
وفي الآيات نرى أن الله دعا الناس إلى عبادته معلنا أنه ربهم، وأنه خالقهم، ومعنى هذا أن من حقه أن يأمر وأن يطاع سبحانه والدليل على ربوبيته وخلقه أنه خلق لهم الأرض حال كونها فراشًا وجعل لهم السماء بناء ومعنى ذلك أنها حافظة لهم من شرور فوقهم وهذه الشرور لم نعلمها على وجهها الصحيح إلا حديثا بعد معرفة ما يسمى بالأشعة الكونية القاتلة، والصواعق والنيازك المحرقة، وأنه أنزل من السماء ماء ليخرج به من الثمرات رزقًا لكم و .. و ..