فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 34 من 607

أما الشرط الذي يليه، وهو أن يفيد خبرهم الحس، أو أن يكون مصدر خبرهم الحس، فكما قلنا في الليلة البارحة يقصدون بالحس ما كان مستندا إلى أحد الحواس الخمس: إما السمع، أو البصر، أو الذوق، أو اللمس، أو الشم، أو ما إلى ذلك.

والكلام هنا عن أي خبر يرد، لكن أما الحديث النبوي فإنما يكون ببعض الحواس لا فيها كلها.

وذكرت لكم أنهم يمثلون على هذا بمثل الأمور العقلية، يعني: التي يخرجونها من التواتر، كمثلا أي نظرية يقتنع بها مثلا الفلاسفة، أو مثلا العلماء الغربيين في هذا العصر، فما كان مستندا إلى العقل فهذا يخرجونه تماما من مبحث التواتر، فيقولون: لا بد أن يكون مستند خبرهم الحس.

رأيت بعضهم مَثَّل بمثال لعله يكون مقربا لهذه المسألة، هذا المثال يقول: إن أبا عوانة -وليس هو صاحب المسند، وإنما هو الوَضَّاح بن عبد الله اليشكري، أحد العلماء الثقات المتوفى في حدود سنة ثمانين للهجرة- أبو عوانة هذا كان مملوكا لرجل -إن لم تخطئني الذاكرة فاسمه يزيد بن عطاء-، وكان أبو عوانة معروفا بسعة العلم، وهو من مشاهير المحدثين، وكان محبوبا لدى العامة.

ففي الحج رأى أبو عوانة سائلا يسأل، فلحقه وأعطاه دينارا، فلما أعطاه هذا الدينار -يعني- وقع هذا الدينار من هذا السائل موقعا، ثم قال: والله لأخدمن أبا عوانة اليوم خدمة -يعني كان يقول- لا تضاهيها خدمة، فوقف على طريق الحجاج حينما انصرفوا من عرفة، وكلما مر عليه أناس قال: يا أيها الناس، اشكروا ليزيد بن عطاء صنيعه. قالوا: وما ذاك؟ قال: إنه أعتق أبا عوانة.

فكل من مر عليه قال له هذا القول، فأصبح الناس يأتون إلى يزيد بن عطاء ويشكرونه ويثنون عليه، وهو يقول لهم: أنا لم أعتقه، أنا لم أعتقه، فلما كثر عليه العدد قال: والله لا أخيب أمل هؤلاء الناس. فأعتق أبا عوانة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت