فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 23 من 607

فبلا شك أن من طلب علم الحديث -كما يقول الشافعي -رحمه الله-:"قويت حجته"، وأي حجة أقوى من أن تُذكر مسألة من المسائل للإنسان فيقول فيها بآية أو حديث؟ بخلاف إنسان يُعمل رأيه، والرأي قد يصيب وقد يخطئ، لكن الذي معه أثارة من العلم فبلا شك أن حجته أقوى من حجة غيره.

لو نظرنا -مثلا- للبخاري -رحمه الله- فهو من قمم المحدثين، لكن مع ذلك كتابه حافل باستنباطات فقهية دقيقة شكلت مذهبا مستقلا للبخاري، بحيث إذا ذُكرت مسألة من المسائل قيل: وقول البخاري فيها كذا وكذا، وتجد قول البخاري مستندا إلى حديث أو أثر. يظهر هذا واضحا من تبويباته الفقهية الموجودة في كتابه"الصحيح".

وغير البخاري كثير من الأئمة الذين برزوا في هذا الجانب؛ لكن ذكرت البخاري لأن كتابه متداول في أيدي الناس، وهذه الخصلة واضحة في كتابه جدا.

بقي أن أشير إلى أن هناك من يحتقر المحدثين، والسبب الصراع الدائم أحيانا بين الفقهاء وبين المحدثين، وأقصد بالفقهاء: الذين يطلبون الفقه للفقه مجردا عن الدليل، وهو الفقه المذهبي، فمثل هؤلاء تجدهم أحيانا يصتنعون بعض الحكايات والأخبار التي فيها ازدراء للمحدثين؛ بحجة أن المحدث إنما هو كالصيدلي الذي يُحضّر الدواء، لكن الفقيه هو الفقيه الذي كذا وكذا و كذا، ويبدءون يذكرون من مآثر الفقهاء.

والحقيقة أن إحداث مثل هذا الصراع بين المحدث والفقيه هو خاضع لشيء من الهوى، وإلا الإنسان المنصف يعرف أنه لا غنى للفقيه عن الحديث، ولا غنى -أيضا- للمحدث عن الفقه.

فما هي الثمرة من رواية الأخبار؟ هل هي مجرد -مثلا- حفظ أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - فقط؟ لا، لا بد له من ثمرة، والثمرة تتمثل في العمل الذي ينبني على هذه الأحاديث والآثار المروية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت