هذه القصة لا تصح، ولا تثبت، لكن انطلت على من؟ انطلت على الذين لا يميزون، لكن الصحيح هو ما رواه حصين ابن المنذر -رحمه الله تعالى- وهو أن الحكمين كليهما، اتفقا على خلع علي ومعاوية؛ لحقن دماء المسلمين؛ ولذلك يعني: من شواهد هذه القصة أن ما أحد لا معاوية ولا علي طالب بتحكيم ما اصطلح عليه الحكمان، كل منهما بقى في مكانه ورضي بما وقع تحت يده من الممالك.
وهذا هو أقوى شأنًا، وإلا لو كان -فعلا- الأمر كما صُوِّر من خلع أبي موسى لعلي، وإثبات عمر لمعاوية، لأصبح معاوية يطالب بنتيجة الصلح الذي اتفقا عليه، لكن لم يحصل شيء من المطالبة إطلاقا، وهذا دليل على صدق ما حكاه حبيب بن منذر.
وهذه الحكاية -كما يقول القرطبي -رحمه الله- في"العواصم": إنه رواها الدارقطني بسند صحيح.
فالمعوّل عليه في الأخبار حتى هو صحة الأسانيد من عدمها؛ ولذلك -أيها الإخوة- لا تعجبوا أن تجدوا في كتب التواريخ العجب العُجاب، والدواهي كثيرة، مثل قصة استباحة المدينة، فهي بهذه الصورة لا تثبت، ونعوذ بالله أن تثبت بهذه الصورة، يعني: ما بين وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين هذه الحادثة قيل: أقل من ستين سنة، وأصبح المسلمون يصلون إلى هذه الدناءة؟! هذا أمر بعيد.
تعرفون معنى الاستباحة؟ يعني: أصبحت المدينة مباحة، بحيث الرجل يمسك أي امرأة ويزني بها، يمسك أي مال ويأخذه، وأصبح الناس قد -يعني- اختلطت أنسابهم، وحصل -يعني- من حالة مثل ما يشبه الآن حالة استباحة الصرب للبوسنة.
نسأل الله السلامة من هذا، أن يقع من الناس في مثل ذلك الوقت، حتى وإن كان هناك من التنازع على الملك والحكم ما حصل، لكنه لا يصل -والعياذ بالله- إلى هذه الدرجة .