الفقيه لا يستغني عن علم الحديث، الفقيه هو الذي يقول للناس: هذا حلال، وهذا حرام، وافعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا، والحكم في المسألة الفلانية كذا، والحكم في المسألة الفلانية كذا، فإذا كان هذا الفقيه حاطب ليل: لا يعرف صحيح الأخبار من سقيمها، فإنه -بلا شك- يحلل ما حرم الله، وسيحرم ما أحل الله، إذا لم يكن متبصرا بهذا الأمر، ومن هنا يقع الإشكال لكثير من مقلدة المذاهب، الذين الواحد منهم تجده يستدل بالحديث الضعيف، ويبني عليه أحكاما، ويبني على تلك الأحكام المستنبطة أقيسة يقيس عليها، وهكذا تجد أن ما بني على الباطل، فهو باطل، سلسلة متواصلة الحلقات. لكن لو أجهز على المسألة من الأصل، بحيث صح الأثر من حديث، أو غيره، فهو الذي عليه العمدة، لم يصح يستبعد، وترجع المسألة إما إلى أصلها، أو إلى حديث، أو أثر آخر. كذلك -أيضا- الأصولي يقعد قواعد أصولية، وهذه القواعد مستمدة من نصوص شرعية عدة، لكن هذه النصوص الشرعية، إما أن تكون من كتاب الله -جل وعلا- وهذا لا مجال للكلام فيه، وإما أن تكون من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أثر عن صحابي، فبالتالي لا بد من النظر -أيضا- في صحة ذلك من عدمها. المؤرخ إذا لم يكن عارفا بطريقة تمييز الأخبار، فإنه -بلا شك- سينسب بعض الحوادث إلى أناس معينين، ولأضرب لكم مثالا على ذلك:
القصة التي تروى في تحكيم الحكمين: أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص -رضي الله عنهما- تعرفون أن هذه القصة اشتهرت، وانتشرت عند الناس، وفيها نسبة الخديعة والمكر لصحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحاشاهم من ذلك، حينما يقولون: إن عمرو بن العاص خدع أبا موسى الأشعري -رضي الله تعالى عنهما- حينما خلع الخاتم، وقال أبو موسى: أنا أخلع صاحبي، كما أخلع هذا الخاتم، وقال عمرو بن العاص: وأنا أثبت صاحبي كما أثبت هذا الختم، فكانت خديعة من عمرو بن العاص.