لماذا علم الحديث؟ لماذا نطلب علم الحديث؟ نطلبه -أولا- لأنه من أشرف العلوم؛ ولأن أهله هم الذين أصبحوا مصابيح الدجى، فلو نظرنا في الأئمة الأربعة: ثلاثة منهم ممن اشتهروا بالحديث، وإن كان الرابع، وهو أبو حنيفة -رحمه الله- لم يخلو من علم الحديث، لكنه لم يشتهر كشهرة الباقين، فالإمام مالك -رحمه الله- لو فتحتم كتابه الموطأ، وإذا به مليء بالأحاديث، وآراء الإمام مالك محصورة معدودة لا تشكل إلا نسبة ضئيلة من تلك الأحاديث والآثار التي ساقها بسنده، إما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وإما إلى تابعيه، ولو نظرنا إلى الشافعي -رحمه الله- وإذا به -أيضا- قمة في هذا الأمر، فكتابه الأم مليء بالأحاديث التي يسوقها بسنده.
كتابه الرسالة مليء بالأحاديث التي يسوقها بسنده، حتى إن بعض تلاميذه ذهب فألف مسندا للشافعي استخلصه من الأحاديث التي يرويها في كتبه، وأصبح الكتاب مشهورا بمسند الشافعي، وكذلك -أيضا- كتاب السنن له -رحمه الله تعالى- وأما الإمام أحمد، فهو قمة أهل الحديث لا يعرف أن الإمام أحمد -رحمه الله- كتب حرفا واحدا في الفقه، مع العلم أنه محسوب -أيضا- في عداد الفقهاء، لكنه كان ينهى تلاميذه عن كتابة الرأي، ويحثهم على كتابة الحديث. وفضل أهل الحديث لا ينكر، فهم الذين جهزوا الجهاز وأعدوا العدة لكل من أراد أن يخدم علوم الإسلام على شتى صنوفها.
فالمفسر لا يستغني عن الحديث، والفقيه لا يستغني عن الحديث، والأصولي لا يستغني عن الحديث، والمؤرخ لا يستغني عن الحديث، بل لا يستغنون عن مصطلح الحديث.
فإذا نظرت إلى المفسر بأي شيء سيفسر كتاب الله جل وعلا؟