[الحكمة ضالة المؤمن]
119 -وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: (( الكلمة الحِكْمةُ ضالةُ المؤمنِ، فحيثُ وجدها فهو أحقُّ بها ) ). رواه الترمذي -وقال: غريبٌ- وابن ماجه [1] .
(1) رواه الترمذي كتاب العلم (5/ 49) رقم: (2687) ، وابن ماجه في"الزهد" (2/ 1395) رقم: (4169) من طريق عبد الله بن نمير عن إبراهيم بن الفضل عن سعيد المقبري عن أبي هريرة.
ذكر الإمام -رحمه الله- في الحديث الأول. هو قوله - صلى الله عليه وسلم: (( الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها ) )والحديث حسن وقوله رواه الترمذي، وقال: غريب من اصطلاح العلماء أو من فهم العلماء أن غالب ما قال فيه الترمذي غريب يعني به أنه ضعيف؛ لأن الغرابة عنده تعني الضعف وليست هي الغرابة عند المتأخرين يعني عند أهل الاصطلاح التي هي وصف للسند، وقد يكون الرجال ثقات كحديث عمر بن الخطاب المعروف: (( إنما الأعمال بالنيات ) )فإنه غريب يعني من جهة أنه لم يأت إلا عن راوي واحد الطبقة الأولى والثانية والثالثة إلى آخره، فقد يكون الحديث في الصحيحين وهو غريب، لكن مصطلح الترمذي أنه إذا قال غريب فإنه يعني به أنه ضعيف في غالب أو الجَل الأكثر مما أورده، لكن الحديث هذا له طرق فهو حسن (( الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها ) )، ومعنى ذلك أن الحكمة التي هي الكلمة الصواب أو الرأي الصواب فهي ضالة المؤمن؛ لأن المؤمن يسعى للحق ويتحرى الصواب، والصواب والحق في الحكمة من الأقوال والأفعال، ولهذا أثنى الله -جل وعلا- على من أوتي الحكمة، وقد قال -جل وعلا-: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} وقال -جل وعلا-: {وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} الحكمة السنة من الأقوال والأفعال، وهي الأقوال الصائبة الحق والأفعال الصائبة الحق، فإذا المؤمن من صفاته، وطالب العلم بالخصوص لأن هذه جاءت في ذكر صفات طالب العلم أنه يتحرى الحكمة في الأقوال والأعمال، لا يتصرف بمحض رأيه، بل ينظر في الحكمة والحكمة أعلاها ما وجد في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في هدي الصحابة رضوان الله عليهم، في أفعالهم وكلامهم، وكذلك في هدي وأفعال وكلام أئمة الإسلام، هذه هي الحكمة لأن الحكمة مكتسبة تكتسبها مما عقلت من الكلام والأفعال، لهذا الحكمة عُرفت بتعريفات منها:
1 -أن الحكمة وضع الشيء في موضعه اللائق به.
2 -ومنها أن الحكمة وضع الأمور في مواضعها اللائقة بها الموافقة للغايات المحمودة منها.
وهذا التعريف الثاني هو الأولى والأظهر، للتفريق ما بين الحكمة والعدل؛ لأن العدل هو وضع الشيء في موضعه، يقابل الظلم الذي هو وضع الشيء في غير موضعه والحكمة عدل وزيادة؛ لأن كل حكيم عادل وكل حكمة عدل في التصرف وضع الشيء في موضعه، لكن تختلف الحكمة عن العدل بأن الحكمة ينظر فيها في الأقوال والأفعال إلى الغاية المحمودة منها، فقد يضع المرء الشيء في موضعه ويكون عادلًا لكن لا يكون حكيمًا في موافقة الأمر للغاية المحمودة في أن يكون فعله وقوله في المصلحة في ازدياد المصالح وتقليل المفاسد لها أوجه الحكمة ولها أسباب ربما ما يكون مناسبًا بيان ذلك الآن، وهذا الفرق بين الحكمة والعدل ذكرها ابن القيم في مدارج السالكين.