· ... أضرار التقليد الجزاف ..
إن الإسراف في إشراك كل طبقات الدعاة في الشورى، وكثرة تعليق الأمور على اتخاذ قرار شوري ولو كانت صغيرة، وكشف الحيثيات التي تؤدي إلى القرارات، وإطالة مناقشة الخطط مع منفذيها قبل إقرارها، كل ذلك أدّى وما يزال يؤدي إلى إنتاج دعاة فضوليين، يكثر لغطهم ويقل عملهم، وبالتدريج تنصبغ مجالسهم بصبغة الغيبة، وخشونة الألفاظ ، حتى تكون تهورات اللسان أمرًا مستساغًا، وتُغتال فضائل المجالس التي شهدت بها. قواعد التريية الإيمانية اغتيالًا، ويصبح الداعية المشارك فيها قليل الاحترام لعناصر الرعيل الأول، كثير الجرأة عليها، وأقرب إلى سوء الظن والغمز، طويل النقاش، عريض التحدي.
وليس ذلك عرف المؤمنين أبدًا، ولا سَمتهم الذي ورثناه، إنما ورثنا الحياء وعفاف اللسان، واحترام الكبير وتبجيل السابق، والتأول الحسن وترجيح العذر، وجمال اللفظ، والاستغفار للذين سبقونا بالإيمان، وتكرار الدعاء للمربي والحادي.
الشورى حق، وتطييب خواطر الصاعدين حق، وإشراك المنفذ في صناعة القرار حق، لكن ذلك كله إنما يكون في الحدود الوسطى، وبالإنصاف لا بالهوى، وبالمعروف ولمصلحة الدعوة لا لمجرد التطلع، وإذا لم نتقيد بالضوابط في الممارسات الشورية فإن الأذواق ستفسد، ويكثر الصخب الذي يرهق الثقة المؤهل للتقدم، فينزوي، حفاظًا على عِرضه وسمعته، ولئلا يقسو قلبه عبر قيل وقال.
نقول ومع الأسف: أن الغوغائية التي صنعتها الديمقراطية الحديثة في الشعوب يمكن أن تظهر بصورة أخرى في أوساط دعاة الإسلام إذا أسرفنا في الشورى، ونحن قبل الداعية المشاكس: نعيب الاستبداد والفردية، ولكن الشيء إذا تجاوز حده آذى.