أكن أحرمت، وأني إنما اصطدته لك؟ فأمر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فأكلوا، وَلَمْ يأكل مِنْهُ حِيْنَ أخبرته أني اصطدته لَهُ )) [1] .
فهذا الحديث يتبادر إلى ذهن الناظر فيه أول وهلة أنه حديث صحيح، إلا أنه بعد البحث تبين أن معمر بن راشد - وهو ثقة - قد شذ في هذا الحديث فقوله: (( إنما اصطدته لك ) )، وقوله: (( ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له ) ). جملتان شاذتان شذ بهما معمر بن راشد عن بقية الرواة.
قال ابن خزيمة: (( هذه الزيادة: (( إنما اصطدته لك ) )، وقوله: (( ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته لك ) )، لا أعلم أحدًا ذكره في خبر أبي قتادة غير معمر في هذا الإسناد، فإن صحت هذه اللفظة فيشبه أن يكون - صلى الله عليه وسلم - أكل من لحم ذلك الحمار قبل [أن] [2] يعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله، فلما أعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله امتنع من أكله بعد إعلامه إياه أنه اصطاده من أجله؛ لأنه قد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قد أكل من لحم ذلك الحمار )) [3] .
هكذا جزم الحافظ ابن خزيمة بتفرد معمر بن راشد بهاتين اللفظتين، وهو مصيب في هذا، إلا أنه لا داعي للتأويل الأخير لجزمنا بعدم صحة هاتين اللفظتين - كما سيأتي التدليل عليه -.
وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري [4] - شيخ الدارقطني: (( قوله:"اصطدته لك"، وقوله:"ولم يأكل منه"، لا أعلم أحدًا ذكره في هذا الحديث غير معمر ) ) [5] .
وقال البيهقي: (( هذه لفظة غريبة لم نكتبها إلا من هذا الوجه، وقد روينا عن أبي
(1) رواه عن معمر عبد الرزاق في مصنفه (8337) ، ومن طريقه أخرجه الإمام أحمد في المسند 5/ 304، وابن ماجه (3093) ، وابن خزيمة (2642) ، والدارقطني في السنن 2/ 291، والبيهقي في السنن الكبرى 5/ 190.
(2) زيادة مني يقتضيها السياق.
(3) صحيح ابن خزيمة 4/ 181 عقيب (2642) ، قال ابن حجر - معلقًا على كلام ابن خزيمة في أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكل من اللحم قبل علمه بأنه قد صيد له: (( فيه نظر؛ لأنه لو كان حرامًا ما أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - على الأكل منه إلى أن أعلمه أبو قتادة بأنه صاده لأجله ) )فتح الباري 4/ 30، وانظر: التلخيص الحبير 2/ 297 ط شعبان، 2/ 587 - 588 ط العلمية.
(4) هو: الإمام الحافظ، أبو بكر: عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل النيسابوري، صاحب التصانيف المتقنة مِنْهَا"زيادات كتاب المزني"، مات سنة (324 هـ) .
المنتظم 6/ 286 - 287، وسير أعلام النبلاء 15/ 65، ومرآة الجنان 2/ 217.
(5) سنن الدارقطني 2/ 291، وهو في سنن البيهقي 5/ 190 إذ إنه أخرجه من طريق الدارقطني.