فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 99

أبو حمزة الشامي (رحمه الله)

(طبيب القاعدة)

ليس في جعبتي الكثير عن حياة هذا الأسد فأنالم أره سوى خمس أو ست مرات، ولم نتحدث إلا في مرتين منهن، ولم يتجاوز حديثنا في كلتا المرتين عن الخمس دقائق، ولكنني أعرف قصة استشهاده التي حق لها أن تكتب بمداد الذهب، فوالله لولا أنني كنت قريبًا من مكان استشهاده ولولا أنني رأيت الطائرات التي قارعها تلك الليلة بأم عيني، لقلت أن هذه القصة ليس لها أصل في الحقيقة، وإنما هي من نسج الخيال.

أما أول لقاء من اللقائين اللذين تحدثت معه فيهما، فكان في اليوم الذي سبق تنفيذ عملية أبي محمد اللبناني، إذ أصابتني وعكة شديدة، فذهب بي بعض الإخوة إلى أبي حمزة، وكان أبو حمزة يقيم في بيت يسمى"بيت الجرحى"، لوجود بعض الجرحى الذين أصيبوا في معركة الفلوجة الثانية فيه، وكان رحمه الله قائم على علاجهم لا يفارقهم طرفة عين، فأدخلني الإخوة إليه وأخبروه بأمري، فأقبل نحوي وفي يده السماعة الطبية وقال متبسمًا: لا تخف يا أخي فالأمر بسيط وما تجده إنما هو بسبب اختلاف الجو عليك، وبحقنة واحدة سيذهب عنك ما تجد بإذن الله تعالى، وأثارت لكنته الغير واضحة فضولي، وفي الوقت الذي كان يحضر فيه تلك الحقنة سألته قائلًا: هل أنت شامي بمعنى أنك سوري، أم أنك شامي بمعنى أنك من بلاد الشام؟، فتبسم ابتسامة عريضة وقال: أنا شامي وحسب. ولم أكن في وضع صحي يساعدني على بسط الكلام معه فسكتُّ، وبعد أن أعطاني الحقنة رجع بي الإخوة إلى المضافة، وفي مساء ذلك اليوم جاء أبو حمزة رحمه الله إلى المضافة وكان أبو جعفر المقدسي وبعض الإخوة قد حضروا إلى المضافة لوداع أبي الوليد وأبي سعيد وأبي صالح رحمهم الله، وبعد انتهائه من السلام على الإخوة جاء فجلس إلى جانبي وسألني عن حالي وقال لي: إنني أتيت الليلة للاطمئنان على صحتك، وقد أحضرت لك بعض الدواء ليخفف عنك الألم. فأكبرته لذلك الموقف أيما إكبار، لأنني لم أكن أتوقع أن يتذكرني أبدًا لكثرة ما يشغله من حال إخواننا الجرحى.

ثم التفت إلى أبي جعفر وقال له: يا أبا جعفر، كم من مرة قلت لك فيها أننا بحاجة إلى سلاح بيكا نظيف في بيت الجرحى، فالتفت أبو جعفر إلى أحد الإخوة القائمين على توزيع السلاح وقال له: أرجو أن تعطي أبا حمزة بيكا نظيفة في أقرب وقت، فقال ذلك الأخ: لقد أعطيتهم بيكا قبل بضعة أيام، فقال أبو حمزة: ولكنك أخبرتني أنها ستبقى عندنا مؤقتًا، فقال الأخ: لا مانع عندي أن تحتفظوا بها، فقال له أبو حمزة: هل هي مجربة، قال: أنا لم أجربها، فقال أبو حمزة: كيف سأعرف إذًا أنها تعمل بشكل صحيح، قال: جربها أنت،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت